حكاية لم تكتمل
الفصل 22 — ظل سليمان
بقلم وفاء البكري
الفصل 22 — ظل سليمان
كانت كلمات الحاج أحمد تدوي في أذن أمينة كصدى قديم، تحمل معها ثقل الزمن وأسرار العائلة. لم تعد ترى مرضها كحدث منفصل، بل كجزء من نسيج معقد تشابكت فيه خيوط الماضي والحاضر. سليمان. هذا الاسم الذي لم تسمع به من قبل، أصبح الآن ظلاً ثقيلاً يلقي بظلاله على حياتها.
"أبي، هل سليمان هذا لا يزال موجوداً؟ هل تعرف أين هو؟" سألت أمينة، وهي تشعر بنبضات قلبها تتسارع.
نظر الحاج أحمد إلى السماء، وكأنه يبحث عن إجابات في الأفق. "لا أعلم يا ابنتي. لقد مرت سنوات طويلة. بعد اختفاء يوسف، وبعد أن تأكدنا من أن والدتك لم تعد تتعرض للضغوط، لم يعد لنا أي اتصال به. لقد اختفى عن الأنظار، وكأنما اختفى يوسف تماماً. حاولنا البحث عن معلومات عنه، لكنه كان رجلاً حذراً، ولعله كان يخشى العواقب أيضاً."
"ولكن... هل تعتقد أنه يمكن أن يكون قد فعل شيئاً لي؟"
"هذا ما يقلقني يا أمينة. لم يكن سليمان مجرد رجل أعمال عادي. كان يعرف كيف يستخدم نفوذه، وكيف يتلاعب بالأمور. والدتك، كانت تحاول حمايتك، وكانت تخشى دائماً من أن يعود الماضي ليطاردنا. ربما ظنت أنها وضعت حداً للمشكلة، لكن يبدو أن للمشكلة جذوراً أعمق مما كنا نتخيل."
شعرت أمينة بخوف يتسلل إلى أطرافها. فكرة أنها قد تكون ضحية للانتقام، أو جزءاً من صفقة قديمة لم تُحسم، كانت كافية لجعلها تشعر بالضياع. "ولكن كيف؟ كيف يمكن لشخص أن يؤذي طفلة بهذه الطريقة؟"
"لا أعرف يا ابنتي. ولكن عندما مرضتِ، وعندما بدأتِ تفقدين ذاكرتك، شعرت أن هناك شيئاً غريباً. لم يكن مجرد مرض عادي. كان هناك شيء... خارق للطبيعة تقريباً. والدتك، كانت تتردد في كثير من الأحيان، وتتحدث عن 'الديون التي لا تُنسى'. ربما كانت تقصد ديوناً مادية، وربما كانت تقصد ديوناً أخرى، ديوناً تتعلق بالأرواح والأفعال."
"هل حاولت أمي أن تبحث عن معلومات عن سليمان؟ بعد اختفاء عمي يوسف؟"
"نعم، حاولت. ولكن كما قلت لك، هو رجل صعب المنال. لقد اختفى عن الأنظار. كان يبدو أنه يريد نسيان الماضي تماماً، ربما لأنه لم يعد يهمه بعد اختفاء يوسف، أو ربما لأنه كان يخفي شيئاً أكبر. لم نجد له أي أثر، ولم نسمع منه أي شيء. ولكن قلق والدتك لم ينتهِ أبداً. كانت تراقب، وكانت تتساءل. وعندما مرضتِ أنتِ، أصبح قلقها أشد."
"وهل... هل كانت هناك أي تهديدات واضحة؟ أي رسائل؟"
"لا. لم تكن هناك تهديدات مباشرة. ولكن كان هناك شعور دائم بالخطر. والدتك، كانت تحاول دائماً أن تكون قوية، ولكنني كنت أرى الخوف في عينيها. كانت تخشى أن يأتي سليمان ليطلب ما يعتقد أنه حقه. كانت تخشى أن تدفع الثمن نيابة عن أخيها."
وقفت أمينة وتوجهت إلى النافذة، تنظر إلى السماء التي بدأت تتلون بألوان الغروب. "إذاً، أمي، في محاولة منها لحماية أخيها، تورطت في مشكلة كبيرة. ثم، في محاولة منها لحمايتي، ربما فعلت شيئاً آخر... أو ربما لم تفعل شيئاً، وكان سليمان يبحث عن طريقة ليأخذ ما يعتقد أنه حقه."
"هذا ما أخشاه يا ابنتي." قال الحاج أحمد. "ولكن، لماذا الآن؟ لماذا ظهر هذا الظل الآن؟"
"ربما لأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة. ربما كان ينتظر أن يجد ثغرة. أو ربما... ربما أصبحنا نحن من نبحث عنه، وبذلك نلفت انتباهه."
كانت الكلمات تخرج من فم أمينة بصعوبة، وكأن كل كلمة تحمل معها وخزة ألم. لقد بدأت تفهم أن مشكلتها لم تكن مجرد فقدان للذاكرة، بل ربما كانت جزءاً من صراع أعمق، صراع لا تعرف حتى الآن كل تفاصيله.
"ولكن، ماذا عن الرسالة التي وجدتها؟ الرسالة الغامضة؟" سألت أمينة، متذكرة تلك الورقة التي أشعلت فتيل كل هذه الأسئلة.
"لم أتمكن من فهمها تماماً يا ابنتي. كانت مكتوبة بخط والدتك، ولكن ببعض الكلمات التي لم تكن تستخدمها عادة. 'العهد قديم، والضمان سارٍ. لا تدعوا الحق يضيع'. كانت تبدو ككلمات من شخص يحاول أن يحمي شيئاً ما، أو أن يذكر شخصاً بشيء ما. ربما كانت موجهة لي، ربما كانت موجهة لكِ، ربما كانت موجهة لشخص آخر لا نعرفه."
"إذاً، كل هذه السنوات، كانت أمي تحمل هذا السر، وهذا القلق. وكانت تحاول حمايتي بطريقتها الخاصة."
"نعم يا ابنتي. والدتك كانت امرأة قوية، ولكنها كانت أيضاً امرأة تحمل قلباً طيباً. لم تكن تريد لأحد أن يتأذى. ولكن أحياناً، تحاول حماية شخص ما، فتورط شخصاً آخر. أو تحاول حل مشكلة، فتخلق مشكلة أكبر."
شعرت أمينة بثقل غريب يلف روحها. لم تكن مجرد فقدان للذاكرة، بل ربما كان هناك شيء آخر، شيء قد يكون سليمان قد فعله. "أبي، ألا تعتقد أن هناك تفسيراً آخر؟ تفسيراً لا علاقة له بسليمان؟"
"لا أعرف يا أمينة. ولكن عندما ربطتِ أنتِ الرسالة بحديثي عن يوسف وعن سليمان، بدا لي أن هناك علاقة قوية. لا يمكن أن يكون كل هذا مجرد صدفة."
"ولكن ما الذي يمكن أن يفعله سليمان؟ هل هو سحر؟ هل هو شيء روحي؟"
"لا أعتقد ذلك يا ابنتي. سليمان رجل واقعي. ربما لديه علاقات بأشخاص يمكنهم فعل أشياء غير تقليدية. أو ربما... ربما كان هناك شيء آخر. شيء لم نستطع اكتشافه. والدتك، كانت دائماً قلقة من العيون الحاسدة، ومن الأفعال التي قد تتجاوز الماديات. ربما كانت تخشى أن يكون سليمان قد لجأ إلى طرق ملتوية."
جلست أمينة على الأريكة، تفكر ملياً. ظلت والدتها تضع حواجز حولها، تحاول حمايتها من عالم يبدو أنها لم تعرف عنه شيئاً. لقد كانت تعيش في فقاعة، فقاعة صنعها حب أمها وقلقها. ولكن الآن، تمزقت هذه الفقاعة، وظهرت الحقيقة القاسية.
"إذاً، يا أبي، الخطوة التالية هي أن نحاول العثور على سليمان؟"
تردد الحاج أحمد للحظة. "هذا صعب يا ابنتي. كما قلت لك، هو رجل اختفى. ولكن إذا كان هذا هو المفتاح الوحيد لفهم ما حدث لكِ، فسوف نحاول. ولكن بحذر شديد. لا نعرف ما الذي قد نواجهه."
"وأنا مستعدة يا أبي." قالت أمينة، بنبرة حاسمة. "لم أعد أستطيع العيش في ظل المجهول. أريد أن أستعيد حياتي، وأريد أن أفهم من أنا حقاً. وإذا كان سليمان هو من يقف وراء كل هذا، فسوف أواجهه."
نظر الحاج أحمد إلى ابنته، ورأى فيها قوة لم يرها من قبل. قوة ولدت من رحم الألم، ومن رغبة جامحة في معرفة الحقيقة. "سنفعل ذلك معاً يا ابنتي. وسأكون بجانبك في كل خطوة."
شعرت أمينة بأنها ليست وحدها. وأن هناك من سيقف معها في مواجهة هذا الظل الغامض. ربما كانت رحلتها لاستعادة ذاكرتها قد بدأت للتو، ولكنها الآن أصبحت رحلة لاكتشاف الحقيقة الكاملة، حقيقة عائلتها، وحقيقة ماضيها.