حارس المبادئ
الفصل 14 — رماد الشكوك ونور الشفافية
بقلم جمال الحق
الفصل 14 — رماد الشكوك ونور الشفافية
خارج المستودعات الموحشة، وفي هدوء الليل الذي لم يعد هادئًا بعد، وصل الأستاذ عبد الرحمن وفاطمة إلى بر الأمان النسبي. الطفل الذي أنقذوه، كان نائمًا بين ذراعي فاطمة، تغطيه ببطانية خفيفة، وتحاول أن تمنحه بعض الدفء والأمان. الأستاذ عبد الرحمن، وعلى الرغم من راحة ظاهره، كان عقله يعج بالأفكار. صورة عمر القديمة، والظلم الذي شهده في المستودع، والتجارة التي تدمر الشباب، كل ذلك كان يتصارع في داخله.
"أبي، ما زلت قلقًا على عمر." قالت فاطمة، وهي تنظر إلى المبنى الذي تركوه خلفهم.
"وأنا كذلك يا ابنتي. ولكننا فعلنا ما بوسعنا. لقد أنقذنا هذا الطفل، وهذا بحد ذاته انتصار." قال الأستاذ عبد الرحمن، محاولًا طمأنة ابنته، ولكن صوته كان يخفي قلقه. "لقد رأيت شيئًا هناك… شيئًا يتعلق بعمر."
"ماذا رأيت؟" سألت فاطمة بفضول.
"رأيت صورة قديمة. كان فيها عمر، ولكنه كان طفلًا. يبدو أن هذا المكان له علاقة بماضيه."
نظرت فاطمة إلى والدها بدهشة. "هل تقصد أن عمر كان له علاقة بهذا المكان؟"
"لا أعرف. ولكنه كان يبدو حزينًا جدًا في تلك الصورة. وكأن ذكريات مؤلمة تربطه بهذا المكان."
"ولكن عمر لم يخبرنا أبدًا عن ماضيه. كان دائمًا يتجنب الحديث عن عائلته." قالت فاطمة، وبدأت تشعر بشيء من الغموض يحيط بالشاب الذي يعتبرونه أخًا لهم.
"ربما كان يخاف. ربما كان يشعر بالخجل. ولكن الآن، بعد ما رأيناه، أعتقد أن الوقت قد حان لكي نكون صادقين معه. الشفافية هي الأساس في أي علاقة." قال الأستاذ عبد الرحمن.
قرر الأستاذ عبد الرحمن أن يذهب بنفسه إلى الشرطة، وأن يبلغهم بما حدث. كان يعرف أن هذا قد يعرض عمر لبعض الأسئلة، ولكنه كان يؤمن بأن الحقيقة هي الطريق الوحيد.
"سأذهب الآن إلى مركز الشرطة. سأخبرهم بكل شيء. وسنتولى نحن أمر هذا الطفل." قال الأستاذ عبد الرحمن.
"سأذهب معك يا أبي." قالت فاطمة.
"لا يا ابنتي، ابقي هنا مع الطفل. تأكدي من راحته. سأعود قريبًا."
توجه الأستاذ عبد الرحمن إلى مركز الشرطة. بينما كان يسير، كان يفكر في المعركة التي دارت في المستودع. لم تكن مجرد معركة ضد المجرمين، بل كانت معركة ضد الظلام الذي يلتهم شباب المدينة. وكان يؤمن بأن حارس المبادئ ليس فقط من يدافع عن الحق، بل من يسعى إلى كشف الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
في مركز الشرطة، استقبله الرقيب سعيد، رجل عرفه الأستاذ عبد الرحمن منذ زمن طويل، وكان دائمًا متعاونًا.
"مساء الخير يا أستاذ عبد الرحمن. ماذا أتى بك في هذا الوقت المتأخر؟" سأل الرقيب سعيد.
"مساء الخير يا رقيب. لدي بلاغ مهم جدًا. يتعلق بنشاط مشبوه في منطقة المستودعات القديمة."
بدأ الأستاذ عبد الرحمن بسرد تفاصيل ما حدث، دون أن يذكر اسم عمر في البداية، مركزًا على ما رآه من تجارة ممنوعة، وعلى الطفل الذي أنقذوه.
"لقد رأيت رجالًا يتداولون مواد ممنوعة. وقد تدخلنا لإنقاذ طفل كان بينهم. ولكننا واجهنا مقاومة عنيفة." قال الأستاذ عبد الرحمن.
"هل تعرف هوية هؤلاء الرجال؟" سأل الرقيب سعيد، وهو يدون الملاحظات.
"أعرف واحدًا منهم. هو الرجل الذي كان يقود المجموعة. ولكنه يرتدي قناعًا، ولم أتمكن من رؤية وجهه بوضوح. ولكن يبدو أنه شخص ذو نفوذ."
"وهل تعرفون ما هي المواد التي كانوا يتاجرون بها؟"
"لم أتمكن من تحديدها بدقة. ولكنها كانت في أكياس صغيرة، وكان هناك صوت زجاج."
"حسنًا يا أستاذ. سنرسل فريقًا للتحقيق في الأمر. ولكنك ذكرت أنكم تدخلتم. هل كنتم أنتم من يقومون بالقبض عليهم؟"
"لا، لم نكن كذلك. كنا نحاول جمع المعلومات. ولكننا اضطررنا للتدخل عندما اكتشف أمرنا."
"وماذا عن الطفل؟ هل هو بخير؟"
"نعم. إنه معنا الآن. إنه طفل صغير، يبدو أنه ضحية."
"جيد. سنحتاج إلى رؤيته. وهل هناك أي تفاصيل أخرى؟"
عند هذه النقطة، شعر الأستاذ عبد الرحمن أن الوقت قد حان ليكون صادقًا. "في الواقع، كان معي شخصان. شاب وفتاة. الشاب، عمر، كان جزءًا من العملية. ولكنه انفصل عني في النهاية."
نظر الرقيب سعيد إلى الأستاذ عبد الرحمن ببعض الارتياب. "عمر؟ الشاب الذي يعمل معك؟"
"نعم. ولكنه شاب مخلص. وأنا واثق أنه لم يفعل شيئًا خاطئًا. ولكنني خشيت أن يتم استجوابه بشكل قاسٍ."
"لا تقلق يا أستاذ. سنتعامل مع الأمر بحذر. ولكننا بحاجة إلى أقواله. هل تعرف أين هو؟"
"لا. لقد فقدنا الاتصال به. وهذا ما يقلقني أكثر."
"سنقوم بالبحث عنه أيضًا. وأنا أقدر شجاعتك يا أستاذ. ما فعلته يستحق الثناء. ولكننا بحاجة إلى تعاون كامل."
خرج الأستاذ عبد الرحمن من مركز الشرطة، وشعر ببعض الارتياح. لقد بدأ الرماد يتطاير، وبدأ نور الشفافية يسطع. ولكنه كان يعلم أن المعركة لم تنته بعد. لا يزال هناك عمر مفقود، وهناك الغموض الذي يحيط بماضيه.
عند عودته إلى المنزل، وجد فاطمة تنتظره بقلق. "أبي، هل عدت؟"
"نعم يا ابنتي. لقد أخبرت الشرطة بكل شيء. وسيقومون بالتحقيق."
"وماذا عن عمر؟"
"لا أعرف. ولكني أخشى أن يكون قد وقع في مشكلة."
في تلك اللحظة، سمعا صوتًا خافتًا عند الباب. كانت فاطمة تسرع لتفتح. وجدت عمر يقف هناك، يبدو عليه الإرهاق، ولكنه كان بخير.
"عمر!" صاحت فاطمة بفرح.
"الحمد لله أنك بخير!" قال الأستاذ عبد الرحمن، وشعر بقلبه يطمئن.
"لقد… لقد نجحت في الهرب. ولكنني فقدت أثركم." قال عمر، وهو يتنفس بصعوبة. "هل الطفل بخير؟"
"نعم، إنه نائم هنا." قالت فاطمة.
نظر عمر إلى الأستاذ عبد الرحمن، وبدا عليه بعض التردد. "أنا… آسف يا أستاذ. لقد وضعتكم في موقف صعب."
"لا تقلق يا عمر. الأهم أنك بخير. ولكن هناك شيء أريد أن أسألك عنه." قال الأستاذ عبد الرحمن، ونظرته تحمل مزيجًا من الشك والاهتمام. "رأيت صورتك اليوم. صورة قديمة جدًا. في المستودعات."
تسمر عمر في مكانه. تغيرت ملامح وجهه، وبدا عليه الارتباك والأسف. "أنت… رأيتها؟"
"نعم. من أنت يا عمر؟ وما هو ماضيك؟" سأل الأستاذ عبد الرحمن، بصوت هادئ ولكنه يحمل قوة.