ليلة الجن المسكون

الفصل 12 — آثار الماضي الأثيم

بقلم ظافر الغيب

الفصل 12 — آثار الماضي الأثيم

مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، بدأت حدة الأصوات الغريبة في التراجع، وكأن الليل كان هو الملاذ الوحيد لها، والمخزن الأكبر لقوتها. لكن هذا التراجع لم يكن نهاية المطاف، بل كان مجرد هدوء ما قبل عاصفة أخرى. استيقظ الأطفال وهم يشعرون بثقل الليلة الماضية، وبإحساس غريب بأن المنزل لم يعد هو نفسه. كانت وجوههم تحمل علامات الإرهاق، لكن عيونهم كانت تلمع بعزم جديد، وبإرادة قوية لمواجهة ما هو قادم.

بعد صلاة الفجر، اجتمع الأطفال مع جدهم عبد الله في غرفة المعيشة. كان الجد قد أمضى معظم الليل في التأمل، يستعيد ذكريات قديمة، ويربط بين أحداث الماضي الخفية والحاضر المروع. بدأ يتحدث بصوت عميق، وكأنه يفتح صندوقاً مليئاً بالأسرار.

"هذا المنزل،" بدأ الجد، "ليس مجرد بناء من طين وحجر. إنه شاهد على أحداث مرت، وعلى قصص لم تُحكى. الرجل الذي عاش هنا قبل زمن طويل، واسمه 'حكيم'، كان رجلاً طموحاً، لكن طموحه أعمى بصيرته. كان يسعى للقوة، للقوة التي يعتقد أنها ستجعله سيد زمانه."

كان أحمد وفاطمة يستمعان باهتمام شديد، وقد انعقدت ألسنتهما من الدهشة والفضول.

"كان حكيم يعتقد أن الجن هم مفتاح القوة. فبدأ في ممارسات لم تكن ترضي الله، ولم تكن ترضي ساكني العالم الآخر. كان يحاول استدعائهم، وإجبارهم على خدمته، وعلى كشف أسرار الكون له. لكنه لم يدرك أن الجن، وخاصة الأقوياء منهم، لهم قوانينهم الخاصة، ولهم غضبهم العميق."

"ماذا حدث له يا جدي؟" سألت فاطمة بصوت خفيض. "لم يتمكن أحد من معرفة مصيره على وجه الدقة،" أجاب الجد، "لكن يقال إنه اختفى فجأة، وكأن الأرض ابتلعته. ومنذ ذلك الحين، أصبح المنزل مسكوناً. لم يكن الأمر يتعلق بـ 'جن مسكون' واحد، بل بمجموعة من الأرواح، أرواح الجن التي أغضبها حكيم، وأرواح بشرية ربما كانت ضحية لطمع حكيم. كلهم اجتمعوا هنا، في حالة من الغضب الأبدي."

شعر أحمد بمسؤولية أكبر تقع على عاتقه. "إذا كان الأمر كذلك، يا جدي، فيجب أن نجد طريقة لتهدئة هذه الأرواح. يجب أن نوقف هذا الغضب." "وهل تظن الأمر بهذه السهولة يا بني؟" قال الجد بحكمة. "الغضب المتجذر في الظلام لا يزول بسهولة. يتطلب الأمر أكثر من مجرد كلمات. يتطلب عملاً، ويتطلب فهماً لما حدث."

بدأ الجد عبد الله في إخبارهم عن بعض الآثار التي تركها حكيم في المنزل. "يقال إنه كان لديه غرفة سرية، كان يجري فيها طقوسه. غرفة محكمة الإغلاق، لا يعرف أحد مكانها. ربما تكون مفتاحاً لفهم كل شيء." "غرفة سرية؟" استفسرت فاطمة، وقد لمعت عيناها. "أين يمكن أن تكون؟" "لا أعرف بالتحديد،" اعترف الجد، "لكنني أتذكر أن جدتي كانت تتحدث عن وجود باب خفي في المكتبة القديمة، خلف رف كتب ضخم. كانت تقول إنها سمعت همسات غريبة تأتي من خلفه."

كانت المكتبة القديمة في المنزل مكاناً لم يزره الأطفال كثيراً. كانت مليئة بالكتب القديمة، والغبار، والظلال. لكن الآن، بدا المكان وكأنه يحمل مفتاح الحل.

"إذاً، يجب أن نذهب إلى المكتبة،" قال أحمد بحزم. "يجب أن نبحث عن هذا الباب." "ولكن يا أحمد، هل أنت متأكد؟" سألت فاطمة، وما زال الخوف يسيطر عليها. "ماذا لو كانت تلك الأرواح هناك؟" "سنكون معاً،" قال أحمد، وهو يمسك بيد أخته، "ولن ندخل إلا إذا شعرنا بأن الأمر آمن. سنتذكر دائماً ما قاله جدي عن الصلاة والاستعانة بالله."

قرر الجد عبد الله أن يرافقهم. كان يعلم أن وجوده معهم قد يمنحهم بعض الطمأنينة، وأن خبرته قد تكون مفيدة. تجهزوا، واستعدوا لهذه المهمة الجديدة. حمل أحمد المصباح اليدوي، وبدأوا في التوجه نحو المكتبة.

كانت المكتبة معتمة، تفوح منها رائحة الورق القديم والغبار. الأثاث كان مغطى بأغطية بيضاء، وكأنها أشباح صامتة. رفع أحمد الستائر الثقيلة، ودخل شعاع من الضوء ليضيء جزءاً من المكان، كاشفاً عن رفوف الكتب التي تصل إلى السقف.

"هنا،" قال الجد عبد الله، وهو يشير إلى ركن معين من الغرفة، "أتذكر أن جدتي كانت تشير إلى هذا الجدار. كانت تقول إن الصوت يأتي من هنا."

بدأ الأطفال في تفحص الجدار. كانت الكتب متراصة بعناية، ولم يبدُ عليها أي أثر لباب سري. بدأ أحمد في محاولة تحريك بعض الكتب. كانت ثقيلة، وكأنها جزء لا يتجزأ من الجدار.

"ربما ليس باباً عادياً،" قال الجد، "ربما يكون مخفياً بطريقة ذكية." ظلوا يبحثون، يلمسون الجدار، يحاولون فهم أي شيء غير طبيعي. وفجأة، لاحظت فاطمة شيئاً غريباً. كان هناك كتاب يبدو مختلفاً عن البقية. غلافه كان أقدم، وأكثر تجعداً، ولم يكن يحمل عنواناً واضحاً.

"انظروا هنا!" قالت فاطمة، وهي تشير إلى الكتاب. مد أحمد يده وسحب الكتاب بحذر. لم يكن كتاباً عادياً، بل كان أشبه بمفتاح. عندما سحبه، سمعوا صوتاً ميكانيكياً خافتاً، وكأن آلية قد تحركت.

"ما هذا؟" سأل أحمد بدهشة. "هذا هو المفتاح،" قال الجد عبد الله بلهجة واثقة. "هذا ما كانت تتحدث عنه جدتي."

بدأوا في تفحص الجدار خلف مكان الكتاب. وبينما هم كذلك، شعروا بتيار هواء بارد يتسرب من منطقة معينة. ضغط أحمد على الجدار في تلك المنطقة، وبشكل مفاجئ، انفتح جزء من الرف، كاشفاً عن باب خشبي قديم، مظلم، ومغلق.

"وجدناه!" هتف أحمد بفرح. "لكن هل يجب أن نفتح؟" سألت فاطمة، وقد عاد الخوف ليخيم عليها. "علينا أن نفعل،" قال الجد عبد الله، "ربما يكون هذا هو الطريق الوحيد لفهم ما يحدث، ولإيجاد السلام لهذا المكان."

كان الباب مغلقاً بمزلاج حديدي قديم. حاول أحمد فتحه، لكنه كان قوياً. مد الجد عبد الله يده، واستخدم عصاه كرافعة، تمكن من إزاحة المزلاج ببطء. انفتح الباب بصوت صرير طويل، كأنه أنين.

ماذا سيجدون في الداخل؟ هل ستكون غرفة مهجورة، أم شيئاً أكثر رعباً؟ كانت الأسئلة تدور في أذهانهم، بينما كانوا يستعدون لدخول المجهول. كان عليهم أن يواجهوا آثار الماضي الأثيم، وأن يكتشفوا الأسرار التي دفنت تحت طبقات من الزمن والخوف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%