ليلة الجن المسكون
الفصل 13 — قلب الظلام النابض
بقلم ظافر الغيب
الفصل 13 — قلب الظلام النابض
كانت الرائحة المنبعثة من الغرفة خلف الباب تختلف عن أي شيء شموه من قبل. مزيج من العفن، والغبار العتيق، ورائحة خفيفة تشبه الكبريت، مع لمسة غريبة من البخور الذي لم يعد له أثر. حبس الأطفال أنفاسهم، بينما تقدم الجد عبد الله بحذر، موجهًا ضوء المصباح اليدوي إلى الداخل.
كانت الغرفة صغيرة، ومظلمة، وجدرانها مكسوة بحجر أسود باهت. في وسط الغرفة، كان يقف مذبح حجري قديم، يبدو أنه قد استخدم في طقوس غريبة. على المذبح، كانت هناك نقوش غريبة، رموز لم يفهموها، وبعض البقايا التي تبدو وكأنها بقايا أعشاب جافة، وقطع خشب محترقة.
"هذه هي غرفة طقوس حكيم،" قال الجد عبد الله بصوت خفيض، وكأنه يتحدث عن ماضٍ حي. "هنا كان يبدأ كل شيء."
بدأ أحمد في توجيه ضوء المصباح إلى كل زاوية من زوايا الغرفة. لم تكن هناك نوافذ، مما جعل الغرفة تبدو وكأنها معزولة تماماً عن العالم الخارجي. على الجدران، كانت هناك رسومات باهتة، وكأنها محاولات لرسم كائنات غريبة، وخطوط متشابكة تبدو وكأنها مسارات للطاقة.
"انظروا إلى هذه النقوش،" قال الجد، وهو يشير إلى المذبح. "إنها رموز قديمة، تستخدم في استدعاء قوى لا ينبغي العبث بها. حكيم لم يكن يعرف ما يفعله. كان يلعب بالنار."
شعرت فاطمة بقشعريرة تسري في جسدها. كانت تشعر بوجود ثقيل في الغرفة، وكأن الهواء نفسه مشبع بطاقة سلبية. "أشعر وكأن هناك من يراقبنا يا جدي." "لا تقلقي يا ابنتي،" طمأنها الجد، "نحن هنا معاً، وبالله نستعين. ولكن علينا أن نفهم. أن نفهم ما الذي فعله حكيم هنا، وما الذي تركه خلفه."
بدأ أحمد في البحث عن أي شيء قد يكشف المزيد من المعلومات. فحص الأدراج القليلة الموجودة في جدار الغرفة. كانت فارغة، باستثناء بعض القطع المعدنية الصدئة، وبعض الحصوات الغريبة. لكن في الدرج الأخير، وجد شيئاً أثار انتباهه. كانت قطعة جلد قديمة، مطوية بعناية.
"ما هذا؟" سأل أحمد، وهو يمدها إلى الجد. فتح الجد عبد الله قطعة الجلد بحذر. كانت مكتوبة بخط قديم، بلغة لم تكن عربية تماماً، لكن الجد بدا وكأنه يفهم بعض الكلمات. "هذه... هذه مذكرات حكيم،" قال الجد بصوت متفاجئ. "لقد احتفظ بها هنا."
بدأ الجد في قراءة المذكرات بصوت متقطع، محاولاً فك رموز الكلمات. كانت المذكرات تحكي عن رغبة حكيم في القوة، عن محاولاته للتواصل مع الجن، وعن الصفقات التي كان يحاول عقدها. كان يتحدث عن "سيد الظلام"، وعن "القوة المطلقة".
"كان حكيم يعتقد أنه يسيطر على الجن،" قال الجد، وعيناه تتسع من الدهشة. "لكنه كان مخطئاً. لقد استدعوا قوى أعمق، وأكثر شراً. لقد فتح باباً لم يكن يجب أن يفتح."
أثناء قراءة الجد، بدأت الغرفة تشعر بالتوتر. بدأت الأصوات الخافتة التي سمعوها في الليلة السابقة تعود، ولكنها الآن كانت أقوى، وأكثر وضوحاً. بدأت النقوش على الجدران تبدو وكأنها تتحرك، وكأن الظلال تتشكل منها.
"ما الذي يحدث؟" سأل أحمد، وهو يشعر بأن الخوف يتسلل إليه مرة أخرى. "يبدو أن قراءة المذكرات قد أزعجهم،" قال الجد عبد الله بحزم. "لقد أيقظنا شيئاً ما."
فجأة، انطفأ المصباح اليدوي. غرقوا في ظلام دامس، ولم يبق سوى الصمت المطبق، والصوت المتزايد للنبضات المتسارعة في صدورهم.
"لا تتحركوا!" قال الجد بصوت قوي، محاولاً السيطرة على الخوف. "استعينوا بالله. اقرأوا آية الكرسي."
بدأ الأطفال في ترديد آية الكرسي، صوتهم يرتعش قليلاً في الظلام. بينما كانوا يقرأون، شعروا بأن الهواء يزداد برودة، وأن هناك أنفاساً خفية تلفح وجوههم. بدأت تسمع أصوات ضربات خفيفة على المذبح، وكأن شيئاً ما يحاول الخروج منه.
"يا جدي، ماذا نفعل؟" سألت فاطمة، وصوتها يكاد يكون همسة. "علينا أن نهرب!" صاح أحمد. "يجب أن نخرج من هنا!"
بدأ أحمد في البحث عن الباب، محاولاً إيجاد طريقه في الظلام. شعر بيد باردة تلمس ذراعه. شهقت فاطمة، وتشبثت بجدها.
"لا تخافوا!" قال الجد عبد الله، صوته يحمل نبرة غريبة، وكأنها مزيج من القوة والخوف. "هذا هو قلب الظلام النابض. علينا أن نجد طريقة لإطفائه."
بعد لحظات من الرعب، عاد المصباح اليدوي للعمل بشكل مفاجئ. وكأن الضوء قد طرد الظلام للحظة. رأوا في ذلك الضوء الخافت، أن النقوش على الجدران أصبحت أكثر وضوحاً، وأن المذبح يبدو وكأنه يهتز.
"هناك شيء في هذا المذبح،" قال الجد، وهو يشير إليه. "ربما يكون هو مصدر كل هذا." "لكن كيف نصل إليه؟" سأل أحمد. "يجب أن نجد طريقة لتبديد هذه الطاقة،" قال الجد. "علينا أن نعكس ما فعله حكيم. إذا كان قد استخدم هذا المكان لاستدعاء الشر، فيجب أن نستخدمه لجلب الخير، أو على الأقل لإبعاد الشر."
بدأ الجد في البحث عن أي شيء يمكن أن يساعدهم. لاحظ وجود وعاء حجري صغير في زاوية الغرفة، كان يحتوي على بعض البقايا. "هذا... هذه بقايا ملح،" قال الجد، "الملح يستخدم في تطهير الأماكن. ربما كان حكيم يستخدمه في طقوسه، لكن بطريقة خاطئة."
أخذ الجد حفنة من الملح، وبدأ في رشه حول المذبح. في كل مرة يرش الملح، كان يسمع صوتاً يشبه الأنين، وكأن طاقة سلبية قد تراجعت.
"استمروا في قراءة آية الكرسي!" أمر الجد.
بينما كان الأطفال يقرأون، ورش الجد الملح، بدأت الغرفة تشعر ببعض الهدوء. الأصوات بدأت تتلاشى، والظلال بدأت تعود إلى وضعها الطبيعي. بدا الأمر وكأنهم قد تمكنوا من كسر سيطرة "الظلام النابض".
"لقد نجحنا!" هتف أحمد بفرح. "لا، ليس بعد،" قال الجد بحذر. "هذا مجرد بداية. هذه الطاقة لم تذهب تماماً. لقد أضعفناها فقط."
نظر الجد إلى المذكرات مرة أخرى. "يقال إن حكيم كان يسعى لعقد صفقة مع 'سيد الظلام' للحصول على قوة لا حدود لها. هذه الغرفة هي المكان الذي كان يمارس فيه طقوسه. علينا أن نجد طريقة لإبطال هذه الصفقة."
كانت مهمتهم قد أصبحت أكثر تعقيداً. لم يعد الأمر مجرد خوف من الأرواح، بل أصبح صراعاً ضد قوة شريرة قديمة. كانوا قد وصلوا إلى قلب الظلام، وكان عليهم الآن إيجاد طريقة لإطفائه، وإعادة السلام إلى هذا المنزل الذي أصبح مسكوناً.