ليلة الجن المسكون
الفصل 2 — همسات في الظلام ونداء مجهول
بقلم ظافر الغيب
الفصل 2 — همسات في الظلام ونداء مجهول
تسللت خيوط الشمس الأولى بخجل بين جبال الصحراء، لتعلن نهاية ليلة طويلة، حملت معها أشباح الماضي وحكايات الأجداد. لكن، على الرغم من ضوء النهار، ظل صدى كلمات سليمان يتردد في أذهان أفراد العائلة. ظل الخوف والقلق يتراقصان في قلوبهم، خاصة لدى ليلى، التي لم تستطع أن تغمض لها عين.
بعد تناول وجبة الإفطار المتواضعة، قرر أحمد أن يذهب في جولة استطلاعية حول المنزل، ربما ليطمئن نفسه، أو ربما ليجد دليلًا على ما سمع. كان والده قد حذره مرارًا من الاقتراب من الأماكن المهجورة في الوادي، وخاصة "بئر السكون" و"كهف الأنين"، لكن شغفه بالاستكشاف، ممزوجًا بشيء من التحدي، دفعه لكسر هذه القيود.
"هل أنت متأكد من هذا يا أحمد؟" سألته فاطمة وهي تضع له بعض المؤونة في حقيبته. "الجو قد يكون خادعًا، والأرض قد تكون خطرة."
"لا تقلقي يا أمي. سأكون حذرًا. لن أذهب بعيدًا. فقط أريد أن أرى هذه الأماكن التي يتحدث عنها أبي." قال أحمد بابتسامة مطمئنة، وإن كان قلبه يعتصر قلقًا على أمه وأخته.
"اذهب يا بني، ولكن لا تبتعد كثيرًا. وتذكر ما قاله أبوك. لا شيء يستحق أن تخاطر بنفسك من أجله." قال سليمان، ملوحًا له بيديه.
انطلق أحمد، يقطع المسافات على قدميه، يتخلل الغبار الذي يرتفع مع كل خطوة. كان الوادي يبدو هادئًا في وضح النهار، يكاد يكون صامتًا. ولكن، كان هناك شيء في هذا الهدوء، شيء غريب، كأن الأرض تحبس أنفاسها.
بعد مسيرة قاربت الساعة، وصل إلى مشارف منطقة تبدو أكثر وعورة، حيث تتناثر الصخور الكبيرة وتنمو نباتات صحراوية قليلة. كان الهواء هناك أبرد، وكأن قوة غير مرئية تسحب الحرارة.
"هذا بالتأكيد هو بئر السكون." تمتم أحمد لنفسه، وهو يرى بئرًا قديمًا، شبه مهدم، تحيط به حجارة بالية. كان البئر عميقًا، مظلمًا، لا يبدو أن فيه ماء. كان الغموض يلف المكان، وكأن كل شيء فيه يهمس بأسرار دفينة.
اقترب أحمد بحذر، متفحصًا المكان. لم ير شيئًا غريبًا، لا ضوء، لا أصوات. فقط هدوء مطبق. بدأ يشعر بخيبة أمل، هل كانت قصص جده مجرد خيال؟
وفجأة، سمع صوتًا. صوت خافت، أشبه بالهمس. لم يكن صوت رياح. كان كأن أحدهم يناديه من بعيد.
"من هناك؟" نادى أحمد، ولكن لم يأتِ أي رد.
تكرر الصوت مرة أخرى، هذه المرة أقرب. "أحمد..."
تجمد أحمد في مكانه. كيف عرف أحدهم اسمه؟ هل كان هناك شخص يختبئ؟ نظر حوله بتوتر. لم ير شيئًا.
"من أنت؟" سأل مرة أخرى، وصوته يرتجف قليلًا.
"أنا... أنا هنا." جاء الرد، يبدو من داخل البئر.
قفز قلب أحمد. هل كان هذا الجن؟ هل كان ما قاله جده حقيقة؟
"من أنت؟" سأل بصوت أعلى، محاولًا التغلب على خوفه.
"أنا... منسية. أنا هنا منذ زمن."
شعر أحمد بقشعريرة تسري في جسده. "منسية؟ ماذا تقصدين؟"
"أنا... كنت هنا... قبل كل شيء. قبل أن يبنى هذا البيت. قبل أن تعرفوا هذا الوادي."
بدأ أحمد يتراجع ببطء، وعيناه معلقتان بالبئر. "هذا جن؟"
"لا... لست جنًا. أنا... روح. روح ضائعة."
"روح ضائعة؟ ماذا تريدين؟"
"أريد... المساعدة. أريد أن أخرج."
"تخرجي؟ من أين؟"
"من هنا. من هذا الظلام. لقد سُجنت هنا."
بدأ أحمد يشعر بالدوار. القصة التي سمعها لم تكن عن أرواح ضائعة، بل عن جن. ولكنه كان يرى أن هذا الصوت يبدو حزينًا، ضعيفًا، لا يبدو عليه الشر.
"من سجنك؟" سأل أحمد، وقد بدأ فضوله يتغلب على خوفه.
"هم... الذين كانوا هنا. الذين كانوا يتحدثون مع الظلام. لقد أخذوني... ولم يعيدوني."
"من هم؟"
"لا أعرف أسماءهم. لكنهم كانوا... أقوياء. كانوا يرتدون ملابس غريبة. وكانوا يرفعون أيديهم إلى السماء."
"هل تقصدين الجن؟"
"لا أعرف. هم... مخلوقات. كانوا هنا قبلكم."
بدأت تفاصيل القصة تتشابك في ذهن أحمد. هل كان الجن هم من سجنوا هذه الروح؟ أم أن هناك كائنات أخرى؟
"ولماذا لا تستطيعين الخروج؟"
"البئر... قوي. والذين سجنوني... لم يريدوا أن أخرج. أرسلوا لي... بعض الأشياء. أصوات. وظلال."
"ظلال؟ أصوات؟" بدأ أحمد يربط ما يسمعه بما قاله جده. "هل سمعتِ همسًا؟ ضحكات؟"
"نعم. الكثير. وأحيانًا... أشعر بأن أحدهم يراقبني."
"هل يمكنني مساعدتك؟" سأل أحمد، وشعر بمسؤولية غريبة تجتاحه.
"ربما... إذا استطعت... أن تجد الطريق. إذا استطعت أن تفك... القيد."
"ما هو القيد؟"
"لا أعرف. شيء... قديم. شيء وضعه الذين سجنوني."
"هل ترين ضوءًا؟" سأل أحمد، مشيرًا إلى ضوء القمر الذي كان يتردد في البئر.
"نعم. ولكنه... بعيد. وبالكاد يصل."
"هل يمكنني أن ألقي شيئًا في البئر؟ ربما حجارة؟"
"لا... هذا يؤلمني. فقط... تحدث. تذكرني. لعل هذا يساعد."
"أتذكرك. من أنت؟ ما اسمك؟"
"اسم... لم يعد له معنى. كنت... إنسانة. ثم... أصبحت هذا."
"حاولي أن تتذكري. إذا تذكرتِ اسمك، ربما يساعد هذا."
"اسم... أحاول. أرى... وجهًا. وجه أمي. و... صراخًا."
بدأت أحمد يشعر بالحزن على هذه الروح. يبدو أنها كانت إنسانة، سُجنت في هذا المكان.
"حاولي أن تتذكري اسمك."
"اسم... سارة؟ هل هذا اسمي؟"
"سارة؟" همس أحمد، "سارة... قد يكون. هل تذكرين شيئًا آخر؟"
"أتذكر... بيتًا. حديقة. و... أغنية."
"أغنية؟ ما هي الأغنية؟"
"لا أستطيع... أن أتذكر الكلمات. فقط... اللحن."
بدأت أحمد يشعر بالبرد. على الرغم من أن الشمس كانت مشرقة، إلا أن المكان كان باردًا جدًا.
"أعتقد أنني يجب أن أذهب الآن. ولكنني سأعود. سأحاول أن أجد طريقة لمساعدتك."
"لا تذهب. ابق. هم... قد يعودون."
"من هم؟"
"الذين... لا يظهرون. الذين... يسمعون."
"الجن؟"
"لا أعرف."
شعر أحمد بالذعر. ربما كانت هذه الروح تحذره. ربما لم يكن من الحكمة البقاء هنا.
"يجب أن أذهب. ولكنني سأعود."
"انتظر... خذ هذا."
شعر أحمد بشيء يسقط على قدمه. كانت قطعة حجر صغيرة، منحوتة بشكل غريب. كانت باردة، وكأنها ليست من هذا العالم.
"ما هذا؟"
"هدية. لعلها... تحميك."
أخذ أحمد الحجر، وهو يشعر بوزنه الغريب.
"شكرًا لكِ يا سارة."
"لا تدعهم... يأخذونك."
"من هم؟"
"الظلال... والهمسات."
بدأ أحمد يركض، مبتعدًا عن البئر. لم ينظر خلفه، لكنه كان يشعر بأن هناك من يراقبه. كان الهواء يبدو أثقل، والأصوات أصبحت أكثر وضوحًا. همسات خافتة، ضحكات مكتومة، وكأن الوادي كله يتنفس معه.
عاد إلى المنزل، وقد استنفدت قواه. كانت فاطمة وليلى في انتظاره.
"ماذا رأيت يا بني؟" سألت فاطمة بقلق.
"رأيت... بئرًا قديمًا." قال أحمد، وهو ينظر إلى الحجر في يده. "وربما... سمعت شيئًا."
"ماذا سمعت؟" سألت ليلى.
"همسات. وشخصًا يتحدث. ربما... روح ضائعة."
"روح ضائعة؟" شهقت ليلى.
"نعم. ولكنها... كانت تقول إنها سُجنت. وأن هناك من لا يريد لها أن تخرج."
"من هم؟" سألت فاطمة.
"لا أعرف. ولكنها... حذرتني."
نظر أحمد إلى الحجر في يده. كان باردًا، وغريبًا. هل كان هذا دليلًا؟ هل كان هذا الحجر يحميه حقًا؟
"رأيت هذا هناك." قال أحمد، وهو يمد يده بالحجر.
أخذت فاطمة الحجر، وتفحصته. "ما هذا؟"
"لا أعرف. ولكنها قالت إنه حماية."
"حماية؟"
"نعم. قالت إن الظلال والهمسات قد تحاول أن تأخذني."
"الظلال والهمسات؟" بدت فاطمة خائفة. "هذا يعني أن ما قاله أبوك كان صحيحًا. الجن موجودون هنا."
"ربما." قال أحمد، وهو ينظر إلى البيت. "ربما الوادي ليس مجرد أرض قاحلة. ربما هناك شيء آخر هنا."
"ماذا سنفعل؟" سألت ليلى.
"سنكون حذرين." قال سليمان، الذي كان قد استمع إلى الحوار. "وسنؤمن بالله. ولكن... يجب أن نفهم ما يحدث."
في تلك الليلة، لم يستطع أحد من العائلة النوم. كانت أصوات الرياح الخارجية تبدو كأنها تحمل همسات، وكأنها تنادي أسمائهم. كان القمر ما زال ساطعًا، يلقي بضوئه على الوادي، وكأنه يراقب صراعهم مع الظلام الذي بدأ يكشف عن نفسه.