همسات في ظلام البيت القديم
الفصل 13 — خيوط الحقيقة المتشابكة
بقلم ظافر الغيب
الفصل 13 — خيوط الحقيقة المتشابكة
معَ كلِّ يومٍ يمر، كانتْ جدرانُ البيتِ القديمِ تبدو وكأنها تتنفسُ أسرارًا أعمق. لبنى وأحمد، بعدَ اكتشافهما لدورِ المحامي القديمِ في التلاعبِ بملكيةِ أرضِ نورة، شعرَا بأنَّهما على وشكِ كشفِ خيوطِ مؤامرةٍ أكبر. لم يعدْ الأمرُ مجردَ حادثةٍ فردية، بلْ صارَ يبدو وكأنَّ هناكَ قوى خفيةً كانتْ تعملُ على إخفاءِ الحقيقةِ وتشويهِ السجلات.
قررَ أحمد أنْ يستغلَّ معرفتهُ بالمحامي الجديد، ابنَ المحامي المتورطِ، بطريقةٍ ذكية. ادعى أنَّه يريدُ تقديمَ شكوى رسميةٍ بخصوصِ صفقةِ بيعٍ قديمةٍ تتعلقُ بقطعةِ أرضٍ مفقودةٍ للعائلة، وأنَّه وجدَ بعضَ الوثائقِ التي تشيرُ إلى وجودِ تلاعب. استقبلَ المحامي الشابُّ الشكوى ببرودٍ ظاهر، لكنَّ عينيهِ كانتا تعكسانِ قلقًا خفيًا. وعدَ بالتحقيقِ في الأمر، لكنَّ أحمدَ كانَ يعلمُ أنَّه سيحاولُ إخمادَ القضيةِ بأيِّ ثمن.
في هذهِ الأثناء، قررتْ لبنى أنْ تركزَ على بحثِ عائلةِ نورة. لجأتْ إلى كبارِ السنِّ في القرية، وسألتْهم عنْ أيِّ معلوماتٍ تخصُّ عائلةً اسمها "نورة" عاشتْ في المنطقةِ منذُ زمنٍ بعيد. بعدَ أيامٍ منْ البحثِ المتعب، عثرتْ على سيدةٍ عجوزٍ اسمها "أمينة"، كانتْ تتذكرُ عائلةَ نورةَ جيدًا.
"آه، نورة،" قالتْ أمينةَ بحزنٍ وهيَ تسترجعُ ذكرياتها. "كانتْ فتاةً طيبةً وجميلة. ورثتْ هذهِ الأرضَ الكبيرةَ عنْ والديها. ولكنْ، حدثَ لها ما لمْ يكنْ في الحسبان. فجأةً، اختفتْ عنْ الأنظار، ولمْ يعدْ أحدٌ يراها. ويُقالُ إنَّها تزوجتْ منْ رجلٍ غريبٍ ورحلتْ بعيدًا، ولكنْ لمْ يسمعْ عنها أحدٌ بعد ذلك."
"وهلْ كانَ لها عائلةٌ أخرى؟ أخوةٌ أوْ أقارب؟" سألتْ لبنى بلهفة.
"كانَ لها خالٌ،" أجابتْ أمينة. "رجلٌ طماعٌ بعضَ الشيء. كانَ دائمًا ما يتحدثُ عنْ ثروةِ نورةَ وكيفَ أنها لنْ تجلبَ لهُ شيئًا. ولكنْ، بعدَ اختفائها، اختفى هوَ الآخرُ عنْ الأنظار. والبعضُ يقولُ إنَّه كانَ وراءَ اختفائها."
"خالُها؟" كررتْ لبنى، وشعرتْ بأنَّ خيوطَ الحقيقةِ بدأتْ تتشابكُ أكثر. "هلْ تعرفينَ اسمهُ؟"
"اسمهُ كانَ 'عمر'،" قالتْ أمينة. "رجلٌ ليسَ لهُ أمان. أعتقدُ أنَّه كانَ لديهِ مطامعُ في أرضِ نورةَ، وربما هوَ منْ باعها للمحامي، أوْ استغلَّ اختفاءها ليحصلَ على المال."
كانتْ هذهِ المعلومةُ كافيةً لتفتحَ بابًا جديدًا للبحث. إذا كانَ عمرُ هوَ المتورطَ، فربما كانَ هوَ الشريكَ الخفيَّ للمحامي.
في غضونِ ذلك، كانَ أحمدُ يواجهُ صعوباتٍ في مكتبِ المحامي. حاولَ المحامي الشابُّ بشتى الطرقِ إقناعَ أحمدَ بالتنازلِ عنْ القضية، مقترحًا عليهِ تعويضًا ماليًا زهيدًا مقابلَ إغلاقِ الملف. ولكنَّ أحمدَ رفضَ بشدة، وأصرَّ على كشفِ كلِّ الحقائق.
"أنا لا أبحثُ عنْ المال،" قالَ أحمدَ بصرامة. "أنا أبحثُ عنْ العدالةِ لشخصٍ سُلبَ حقهُ. جدي لمْ يكنْ ليتركَ هذهِ القضيةَ تمرُّ دونَ تحقيق. لقدْ شعرتُ بوجودِ خطأٍ فادح، وهذهِ الوثائقُ تؤكدُ ذلك."
عادَ أحمدُ إلى البيتِ محبطًا، ولكنْ بقوةِ إرادةٍ أكبر. حينَ قابلَ لبنى، أخبرتهُ عنْ اكتشافها للخالِ "عمر".
"عمر... هذا الاسمُ يترددُ في بعضِ الأوراقِ القديمة،" قالَ أحمدَ وهوَ يتذكر. "كانَ يُشارُ إليهِ كشريكٍ تجاريٍّ قديمٍ للعائلة، ولكنْ كانتْ هناكَ خلافاتٌ بينهُ وبينَ جدنا."
"إذًا، الأمرُ أصبحَ أوضح،" قالتْ لبنى. "المحامي قامَ بالتلاعبِ القانوني، والخالُ عمرُ استغلَّ اختفاءَ نورةَ ليحصلَ على نصيبهِ منْ المال، أوْ ربما كانَ هوَ منْ تسببَ في اختفائها. كلاهما كانا يعملانِ معًا لإخفاءِ الحقيقةِ وسلبِ حقِ نورةَ."
"ولكنْ، أينَ نورةُ الآن؟" تساءلَ أحمد. "إذا كانَ عمرُ قدْ اختفى أيضًا، فهلْ ماتتْ؟ هلْ ضاعتْ معها الحقيقةُ للأبد؟"
"لا أظنُّ ذلك،" قالتْ لبنى، وهيَ تتأملُ القلادةَ التي وجدتها. "هذهِ القلادةُ دليلٌ على وجودها، وعلى أنَّها كانتْ هنا. ربما لمْ تمتْ. ربما اختبأتْ، أوْ هربتْ منْ عمرَ والمحامي. وربما، لوْ وجدنا عائلتها، سنعرفُ ما حدثَ لها."
قررا أنْ يبذلا قصارى جهدهما للعثورِ على أيِّ أثرٍ لعائلةِ عمر. بحثا في سجلاتِ الولاداتِ والوفياتِ القديمة، ولكنْ دونَ جدوى. بدا وكأنَّ عمرَ وعائلتهُ قدْ اختفوا تمامًا منْ التاريخ.
بينما كانا في قمةِ اليأس، وبينما كانتْ الظلالُ في البيتِ القديمِ تزدادُ كثافةً، بدأتْ لبنى تشعرُ بشيءٍ غريب. في إحدى الليالي، استيقظتْ على صوتِ همسٍ خافتٍ يأتي منْ خارجِ غرفتها. كانَ الصوتُ ينادي اسمَ "نورة" بتوسلٍ وحزن.
"نورة... أرجوكِ، سامحيني..."
ارتعبتْ لبنى، ولكنَّ الفضولَ غلبَ خوفها. فتحتْ البابَ بحذر، وسارتْ نحو مصدرِ الصوت. كانَ الصوتُ يأتي منْ غرفةِ الجدِّ القديمة، المكتبة. وجدتْ أحمدَ واقفًا أمامَ مكتبِ الجدِّ، يتفحصُ درجًا صغيرًا فتحهُ للتو.
"ماذا هناكَ؟" سألتْ بصوتٍ مرتجف.
"وجدتُ شيئًا في هذا الدرج،" قالَ أحمدَ وهوَ يرفعُ شيئًا صغيرًا. كانتْ صورةً قديمةً لشخصٍ لا يعرفانه. رجلٌ يبدو في منتصفِ العمر، ونظراتهُ تحملُ مزيجًا منْ الحزنِ والندم. وفي الخلفيةِ، كانتْ هناكَ امرأةٌ شابةٌ جميلةٌ جدًا، ترتدي قلادةً زرقاءَ لامعة.
"هذهِ نورة،" قالتْ لبنى، وهيَ تتعرفُ عليها. "ولكنْ منْ هوَ هذا الرجل؟"
أحمدَ قلبَ الصورةَ. "هناك مكتوبٌ في الخلفِ بخطٍ صغير: 'عمر'. يبدو أنَّ جدنا كانَ يحتفظُ بصورةٍ لهُ ولنورةَ. ربما كانَ عمرُ لمْ يكنْ شريرًا تمامًا، ربما كانَ هناكَ قصةٌ أخرى."
في تلكَ اللحظة، حدثَ شيءٌ غريب. سقطتْ ورقةٌ صغيرةٌ منْ يدِ أحمدَ كانتْ مخبأةً خلفَ الصورة. كانتْ الرسالةَ نفسها التي وجداها في دفترِ الجدِّ، ولكنْ هذهِ المرة، كانتْ هناكَ إضافاتٌ مكتوبةٌ بقلمٍ مختلف: "لقدْ ندمتُ. لقدْ اعترفتُ للمحامي بكلِّ شيء، ولكنَّه هددني. لقدْ حاولتُ إنقاذَ نورةَ، ولكنَّني فشلت. لقدْ سُجنتُ بسببِ تهمةٍ كاذبةٍ دبرتْ لي، بينما كانَ المحامي يستولي على كلِّ شيء. سامحيني يا نورة، سامحيني يا أخي (يقصدُ الجد)."
"إذًا، عمرُ لمْ يكنْ هوَ الشريرَ الوحيد،" قالتْ لبنى، وشعرتْ بدموعٍ تتجمعُ في عينيها. "لقدْ حاولَ، ولكنَّ المحامي كانَ أقوى. ربما هذهِ هيَ الروحُ التي كانَ الجدُّ يتحدثُ عنها، روحُ عمرَ الذي ندمَ على ما فعله، أوْ ما لمْ يستطعْ فعله."
"وربما،" أضافَ أحمد، "بسببِ ندمهِ، أصبحَ شبحُه عالقًا هنا، في هذا البيتِ الذي شهدَ على كلِّ هذهِ الخيانة."
كانتْ الحقيقةُ تتكشفُ ببطءٍ، ولكنْ بطريقةٍ لمْ يتوقعهما. لمْ تعدْ القصةُ مجردَ ظلمٍ وقعَ على نورةَ، بلْ صارتْ قصةَ خيانةٍ متوارثة، وندمٍ عميق، وأشباحٍ تبحثُ عنْ السلام.