همسات في ظلام البيت القديم
الفصل 14 — ظل الشرير المتوارث
بقلم ظافر الغيب
الفصل 14 — ظل الشرير المتوارث
بعدَ اكتشافِ رسالةِ عمرَ الأخيرة، وتفاصيلَ ندمهِ، بدأتْ الصورةُ تتضحُ بشكلٍ مخيف. لمْ يعدْ الخالُ عمرُ هوَ الشريرَ الأوحد، بلْ صارَ ضحيةً أخرى لنفسِ القوى التي كانتْ تعملُ في الخفاء. لقدْ تمَّ التلاعبُ بهِ، وسُجنَ، بينما استمرَّ المحامي في استغلالِ الوضع. ولكنْ، ظلَّ السؤالُ الأكبرُ قائمًا: أينَ نورة؟ وماذا حدثَ لها؟
في تلكَ الأيام، لاحظتْ لبنى وأحمدَ تغيرًا ملحوظًا في البيت. لمْ تعدْ الهمساتُ مجردَ أصواتٍ عابرة، بلْ بدأتْ تتخذُ شكلَ تهديداتٍ واضحة. كانتْ الأبوابُ تُغلقُ بقوةٍ عندَ مرورِهما، والأشياءُ تتساقطُ منْ الرفوفِ بشكلٍ غامض. شعرتْ لبنى بأنَّ هذهِ ليستْ مجردَ أصواتِ عمرَ الحزين، بلْ هناكَ طاقةٌ أخرى، طاقةٌ شريرةٌ وغاضبة.
"أعتقدُ أنَّ هذهِ ليستْ روحَ عمرَ،" قالتْ لبنى لأحمدَ في إحدى الليالي. "روحُ عمرَ تبدو حزينةً ومذنبة. لكنَّ ما نشعرُ بهِ الآنَ هوَ غضبٌ وعنف."
"ربما هوَ غضبُ نورةَ؟" تساءلَ أحمد. "ربما اكتشفتْ ما حدثَ لها، وأنَّها لمْ تحصلْ على حقها. ربما تشعرُ بالغضبِ تجاهَ منْ خانها، ومنْ تسترَ على خيانتها."
"ولكنْ، لماذا لمْ يظهرْ لنا عمرُ برسالةٍ واضحةٍ تساعدنا؟" قالتْ لبنى. "لماذا كلُّ هذهِ الغموض؟"
في هذهِ الأثناء، حاولَ المحامي الشابُّ استغلالَ الوضع. بدأَ يترددُ على البيتِ بشكلٍ متكررٍ بحجةِ "الاطمئنانِ على سلامةِ الميراث"، ولكنَّ لبنى وأحمدَ كانا يشعرانِ أنَّ لهُ دوافعَ أخرى. كانَ يسألُ أسئلةً غريبةً عنْ الأوراقِ التي وجدوها، وعنْ أيِّ معلوماتٍ جديدةٍ حصلوا عليها.
"هلْ وجدتمْ أيَّ شيءٍ عنْ سيدةٍ تدعى نورة؟" سألَهم في إحدى الزيارات، وعيناهُ تفحصانِ وجوههما بترقب.
"لماذا تسأل؟" أجابَ أحمدَ بحذر. "هلْ لديكَ أيُّ معلوماتٍ عنها؟"
ترددَ المحامي قليلاً، ثمَّ قالَ: "بالطبعِ لا. ولكنَّها كانتْ جزءًا منْ تاريخِ هذهِ العائلة، ومنْ الوثائقِ التي تتعلقُ بها. أردتُ فقطْ أنْ أرى إنْ كانتْ لديكمْ أيةُ تفاصيلَ قدْ تساعدُ في فهمِ ماضي البيت."
شعرتْ لبنى بأنَّه يكذب. كانَ هناكَ شيءٌ في نبرةِ صوتهِ، وفي طريقةِ نظرهِ، يدلُّ على أنَّه يخفي شيئًا.
في إحدى الليالي، بينما كانا يتحدثانِ في غرفةِ المعيشة، سمعا صوتَ جريٍّ سريعٍ في الطابقِ العلوي. صعدا ليجدا أنَّ بابَ غرفةِ الجدِّ مفتوحٌ على مصراعيه، وأنَّ الأوراقَ متناثرةٌ على الأرض. يبدو أنَّ شخصًا ما قدْ اقتحمَ الغرفةَ وبحثَ عنْ شيءٍ ما.
"منْ فعلَ هذا؟" سألَ أحمدَ بدهشة.
"أعتقدُ أنَّه المحامي،" قالتْ لبنى، وعيناها تلمعانِ بالعزم. "إنَّه يبحثُ عنْ شيءٍ مهمٍ جدًا، شيءٌ قدْ يكشفُ حقيقتهُ."
قررا أنْ يستعدا لمواجهةٍ حاسمة. لقدْ أدركا أنَّ هذا البيتَ لمْ يعدْ مجردَ مكانٍ يسكنهُ شبحٌ حزين، بلْ صارَ مسرحًا لصراعٍ بينَ الحقيقةِ والكذب، بينَ العدالةِ والجشع.
في اليومِ التالي، عادَ المحامي إلى البيت، وهذهِ المرةَ بدا أكثرَ إصرارًا. "أنا آسف، ولكنْ يجبُ عليَّ أنْ أتأكدَ منْ سلامةِ كلِّ شيء. هلْ سمحتمْ لي بتفتيشِ الغرف؟"
"لا،" قالتْ لبنى بحزم. "هذا منزلنا، ولنْ نسمحَ لكَ بالتفتيشِ دونَ سببٍ وجيه."
"ولكنْ،" قالَ المحامي، وقدْ بدا الغضبُ يسيطرُ عليه، "هناكَّ وثائقٌ مهمةٌ تتعلقُ بهذهِ العائلة، وربما تكونُ في خطر. والدي كانَ قدْ أخبرني عنْ قضايا معقدةٍ تتعلقُ بهذهِ الدار."
"والدكَ،" قالتْ لبنى، وصوتها يحملُ نبرةَ اتهام. "والدكَ هوَ منْ تسترَ على خيانةِ عمرَ، وهوَ منْ استغلَّ حقوقَ نورةَ. أليسَ كذلك؟"
صُدمَ المحامي، وتغيرَ لونه. "ماذا تقولين؟ هذا هراء!"
"ليسَ هراءً،" قالَ أحمدَ، وقدْ استعادَ بعضًا منْ هدوئه. "لقدْ وجدنا رسالةَ عمرَ، ووجدنا تفاصيلَ الصفقةِ المشبوهة. والدكَ هوَ العقلُ المدبرُ وراءَ كلِّ هذا."
بدأَ المحامي يتراجعُ خطوةً إلى الوراءِ، وعيناهُ تدورانِ في المكان. "هذا غيرُ صحيح! والدي لمْ يكنْ يفعلُ شيئًا كهذا. لقدْ كانَ رجلًا نزيهًا!"
"إذا كانَ كذلك،" قالتْ لبنى، "فلماذا كنتَ تبحثُ عنْ شيءٍ ما في غرفةِ جدي؟ ولماذا حاولتَ إغلاقَ القضيةِ بتعويضٍ زهيد؟"
في تلكَ اللحظة، بدأتْ عاصفةٌ قويةٌ تهبُّ بالخارج. الرياحُ تعوي، والأمطارُ تضربُ النوافذَ بعنف. داخلَ البيت، بدأتْ الأضواءُ تومض، وشعرَا ببرودةٍ مفاجئة.
"هذا ليسَ طبيعيًا!" صرخَ المحامي، وقدْ بدأَ الخوفُ يتملكُه.
"إنَّها نورة،" همستْ لبنى. "إنَّها غاضبة. إنَّها تعرفُ أنَّنا اكتشفنا الحقيقة، وأنَّك أنتَ ووالدكَ تخفيانِها."
فجأة، انفتحتْ أبوابُ الخزانةِ التي كانَ المحامي قدْ بحثَ فيها منْ قبل، وتطايرتْ منها الأوراقُ القديمة. ظهرَ ظلٌّ داكنٌ في زاويةِ الغرفة، وبدأَ يتشكلُ ببطء. لمْ يكنْ ظلًا عاديًا، بلْ كانَ يحملُ طاقةً مرعبة.
"منْ أنت؟" صرخَ المحامي، مشيرًا إلى الظل.
لمْ يجبْ الظل، لكنَّ الهواءَ أصبحَ أثقل، وشعرَا بضغطٍ شديد. رأى أحمدُ في الظلِ وجهًا مشوهًا، وجهَ امرأةٍ تحملُ في عينيها نارَ الانتقام.
"إنَّها نورة،" قالَ أحمدَ بصوتٍ مرتعش. "إنَّها تريدُ العدالة."
بدأَ المحامي يرتجفُ بشدة. "أنا... أنا لا أعرفُ شيئًا! لقدْ كنتُ فقطْ أتبعُ أوامرَ والدي!"
"والدكَ لمْ يعدْ موجودًا،" قالتْ لبنى. "ولكنَّك أنتَ هنا الآن، وعليك أنْ تدفعَ ثمنَ خطاياكما."
فجأة، انطلقَ ضوءٌ أزرقٌ قويٌّ منْ القلادةِ التي كانتْ لبنى تحملها، وانتشرَ في أرجاءِ الغرفة. بدا وكأنَّ الضوءَ يطردُ الظلَّ الداكن.
"هذهِ القلادةُ،" قالتْ لبنى. "إنَّها تحملُ قوةَ الحقِّ والأمل. نورةُ لمْ تعدْ وحدها."
بدأتْ الظلالُ تتلاشى، وعادَ البيتُ إلى هدوئه النسبي. لكنَّ الهدوءَ لمْ يكنْ مطمئنًا. كانَ هناكَ شعورٌ بأنَّ المعركةَ لمْ تنتهِ بعد.
نظرَ المحامي إلى لبنى وأحمدَ بذعر. "ماذا ستفعلون؟"
"سنكشفُ الحقيقة،" قالتْ لبنى. "سنقولُ للعالمِ كلَّ ما حدثَ. وسنعيدُ حقَّ نورةَ، حتى لوْ كانَ ذلكَ بعدَ وفاتها."
عادَ المحامي إلى صمته، وقدْ أدركَ أنَّه قدْ خسرَ المعركة. لمْ يستطعْ إخفاءَ أسرارِ والدهِ، ولمْ يستطعْ السيطرةَ على قوى الماضي.
في تلكَ الليلة، لمْ ينمْ لبنى وأحمد. كانا يفكرانِ في كلِّ ما حدث، وفي حجمِ الظلمِ الذي تعرضتْ لهُ نورةُ وعمر. شعرا بأنَّ البيتَ القديمَ قدْ بدأَ يتنفسُ منْ جديد، ولكنْ هذهِ المرةَ بنفَسٍ أهدأ، وبأملٍ في الخلاص. كانَ ظلُّ الشريرِ الأكبرِ قدْ بدأَ يتلاشى، ولكنهُ تركَ وراءهُ جرحًا عميقًا في تاريخِ هذهِ العائلة.