همسات في ظلام البيت القديم
الفصل 2 — أصداء الماضي
بقلم ظافر الغيب
الفصل 2 — أصداء الماضي
مرت الأيام الأولى في البيت القديم كحلم مشوش. كانت زينب تحاول بشتى الطرق أن تجعل المكان مألوفًا ومريحًا. نظفت الغبار، ورتبت الأثاث، وحاولت أن تخلق جوًا من الدفء، لكن البيت كان يرفض أن يتخلى عن هدوئه المخيف. الأستاذ أحمد، كان يقضي معظم وقته جالسًا على كرسيه في غرفة المعيشة، ينظر إلى الفراغ، أو يتفوه بكلمات غير مفهومة، ثم يعود إلى صمته. كان هذا الوضع يؤلم زينب وليلى، لكنهما كانتا تحاولان الصبر.
كانت ليلى، بحكم سنها وشخصيتها الفضولية، هي الأكثر تأثرًا بهذا الانتقال. كانت تقضي وقتًا طويلاً في استكشاف البيت. كل زاوية كانت تحمل سرًا، كل غرفة كانت قصة. كانت تبحث في الأرفف القديمة، في الأدراج المغلقة، عن أي شيء قد يكشف عن ماضي هذا البيت. وجدت صورًا قديمة لرجال ونساء بملابس غريبة، وجدتها تبدو شاحبة، ووجوههم تحمل تعابير لا يمكن فهمها. وجدت رسائل قديمة، مكتوبة بخط أنيق، لكنها كانت باللغة العربية القديمة، مما جعل قراءتها صعبة.
في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تتفحص مكتبًا قديمًا في غرفة والدها، عثرت على مفتاح صغير صدئ. بدأت تفكر أين يمكن أن يكون هذا المفتاح. جربته في العديد من الأقفال، لكنه لم يناسب أيًا منها. في نهاية المطاف، قادتها قدماها إلى غرفة في نهاية الممر العلوي، غرفة كانت دائمًا مغلقة، ودائمًا ما تشعر ببرودة غريبة تنبعث منها. كان باب الغرفة خشبًا داكنًا، مزينًا بنقوش غريبة، وكان يحمل قفلًا قديمًا. أدخلت ليلى المفتاح، وبصوت طقطقة خفيفة، انفتح القفل.
فتحت الباب ببطء. الغرفة كانت صغيرة، مظلمة، ورائحة الغبار فيها كانت أشد من أي مكان آخر. كان هناك سرير قديم، وبجانبه طاولة صغيرة، عليها مصباح زيتي قديم. وعلى الجدار، كانت هناك خزانة خشبية قديمة. فتحت ليلى الخزانة، فوجدت فيها ملابس قديمة، وكتبًا صفراء، وصندوقًا خشبيًا صغيرًا.
أمسكت بالصندوق، وكان ثقيلًا. فتحته بحذر. بداخله، وجدت مجموعة من الرسومات، كانت مرسومة بألوان باهتة، لكنها كانت تحمل تعابير قوية. كانت الرسومات تصور عائلة، رجل وامرأة وطفلة صغيرة. في بعض الرسومات، كانت العائلة سعيدة، تضحك في حديقة. وفي رسومات أخرى، كانت العائلة تبدو حزينة، والطفلة الصغيرة تبكي. لكن في الرسم الأخير، كان هناك ظل غامض، يحيط بالعائلة، وجه الطفلة الصغيرة كان مليئًا بالخوف، والرجل والمرأة كانا يحاولان حمايتها، لكن الظل كان يلتهمهم.
شعر ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. نظرت إلى الرسم الأخير، وشعرت وكأنها تعرف هذه العائلة. ثم، لاحظت شيئًا غريبًا. في الزاوية السفلية للرسم، كان هناك اسم مكتوب بخط صغير: "نور".
"نور؟" همست ليلى.
في تلك اللحظة، سمعت صوت سارة تناديها من خارج الغرفة. "ليلى، أين أنت؟"
أغلقت ليلى الصندوق، وأخذته معها، وأغلقت باب الغرفة، وأعادت المفتاح إلى جيبها. نزلت ليلى إلى سارة، التي كانت تلعب في الحديقة.
"ماذا وجدتِ يا ليلى؟" سألت سارة بفضول.
"لا شيء مهم،" أجابت ليلى، لكنها لم تستطع أن تخفي ارتباكها.
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى أن تنام. كانت الرسومات في عقلها، وصورة الطفلة الصغيرة الخائفة. كانت تسمع همسات خافتة في الظلام، كأنها أصوات تتحدث إليها، لكنها لم تستطع فهم كلماتها. هل كانت هذه الهمسات مجرد خيال؟ أم أنها كانت أصداء من الماضي، تحاول أن تخبرنا شيئًا؟
في صباح اليوم التالي، قررت ليلى أن تسأل والدتها عن تاريخ العائلة.
"أمي، من كان عمي البعيد الذي ورثنا عنه البيت؟" سألت ليلى، وهي تتناول وجبة الإفطار.
نظرت زينب إليها، بتفكير. "لا أعرف الكثير عنه. لقد كان يعيش وحيدًا في هذا البيت لسنوات طويلة. كان رجلًا غريب الأطوار، لكنه كان طيب القلب."
"هل كان لديه عائلة؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق.
ترددت زينب قليلًا. "سمعت أنه كان لديه ابنة. لكنها توفيت في سن مبكرة، في ظروف غامضة."
"وما اسمها؟" سألت ليلى، وهي تشعر بالبرد يتسلل إلى عظامها.
"اسمها... نور،" أجابت زينب، وهي تنظر إلى ليلى بتعجب. "كيف عرفت؟"
شعرت ليلى بالصدمة. "لقد وجدت بعض الرسومات القديمة في غرفة مغلقة. كانت تصور عائلة، وكانت الطفلة اسمها نور."
نظرت زينب إلى ليلى، ووجهها شاحب. "هذه الغرفة... لم أكن أعرف أنها موجودة. والدها كان يخفيها دائمًا."
بدأت ليلى تشعر بأن هذا البيت ليس مجرد بيت قديم، بل هو مكان يحمل في طياته أسرارًا عميقة، أسرارًا تتعلق بعائلة كانت هنا قبلهم، أسرارًا قد تكون مرتبطة بموت الطفلة نور.