كنز الرمال المفقود
الفصل 19 — الصحراء الشاسعة ومطاردة الظلال
بقلم زيد العبدالله
الفصل 19 — الصحراء الشاسعة ومطاردة الظلال
انطلق أحمد كالسهم، يطارده الأمل في إنقاذ صديقه جابر، وقلبه يعتصر ألماً. كانت الصحراء الشاسعة تمتد أمامه كبحر من الرمال الذهبية، تخفي أسرارها وتحدياتها. الرجال الذين أسروا جابر كانوا يتقدمون بسرعة، يقودونه نحو المجهول.
"سأصل إليك يا جابر!" صاح أحمد، وصوته يختفي في اتساع الصحراء.
كانت القلادة ‘مفتاح الشمس’ لا تزال تمنحه بعض الدفء، وكان ضوءها الأزرق الباهت يشير إلى اتجاه الرجال. لكن المسافة كانت كبيرة، والشمس بدأت ترتفع في السماء، مرسلة لهيبها المحرق.
"يجب أن أستغل الظلال،" فكر أحمد. "وأن أستخدم معرفتي بالصحراء."
كانت جدته قد علمته الكثير عن فن البقاء في الصحراء: كيفية إيجاد المياه، وكيفية استخدام النباتات، وكيفية قراءة علامات الأرض. بدأ أحمد يتبع آثار الأقدام، متجنباً أشعة الشمس المباشرة، مستغلاً أي تضاريس صخرية أو كثبان رملية لتوفير بعض الظل.
بعد ساعات من المطاردة الشاقة، بدأ أحمد يشعر بالإرهاق. كانت الشمس فوق رأسه، تلفح كل شيء. شعر بالعطش الشديد، وبأن جسده بدأ يفقد قوته.
"لا يمكنني الاستسلام الآن،" قال لنفسه. "جابر ينتظرني."
تذكر أحمد ما قرأه عن 'نبات الحياة'، وهو نبات صحراوي نادر، يمكنه استخلاص الماء من الهواء. بدأ يبحث عنه، مسترشداً ببعض الرموز التي رآها على خريطة النجوم. بعد بحث مضنٍ، وجد بعض النباتات الصغيرة، وكانت أوراقها تبدو لامعة ورطبة.
"وجدتها!"
قطف أحمد بعض الأوراق، وعصرها بين يديه. استطاع الحصول على بضع قطرات من الماء المنعش، بالكاد تكفي لترطيب حلقه. لكنها أعطته دفعة من القوة.
واصل أحمد المطاردة، وكلما تقدم، شعر بأن القلادة ‘مفتاح الشمس’ تزداد دفئاً، وأن ضوءها الأزرق يتوهج بقوة أكبر.
"إنهم يقتربون من شيء مهم،" قال أحمد. "شيء له علاقة بـ 'الشمس المخفية'."
بدأ أحمد يلمح في الأفق، على مسافة بعيدة، بنية غريبة، تبدو كأنها قلعة قديمة، منحوتة في قلب جبل. كانت هذه هي الوجهة التي يتجه إليها الأسرى.
"هذا هو المكان الذي يريدون الوصول إليه. لا بد أنهم يعتقدون أن هذا هو مدخل 'الشمس المخفية'."
قرر أحمد أن يقترب بحذر شديد. تسلل بين الصخور والكثبان، محاولاً عدم لفت الانتباه. وصل إلى قرب القلعة، ورأى الرجال الذين أسروا جابر يدخلون عبر بوابة ضخمة. كان يبدو وكأنهم يمتلكون مفتاحاً أو رمزاً لفتح البوابة.
"كيف أدخل؟" تساءل أحمد.
نظر حوله، ولم يجد أي مدخل آخر. تذكر كلمات جدته: "كل باب له مفتاح، ولكن ليس كل مفتاح هو مفتاح مادي."
مد أحمد يده نحو القلادة ‘مفتاح الشمس’. كانت الآن تشع بضوء أزرق قوي، وكأنها على وشك الانفجار. شعر بأنها تتفاعل مع البوابة الضخمة.
"ربما هذا هو المفتاح."
اقترب أحمد من البوابة، ووضع القلادة على النقوش المنحوتة عليها. في اللحظة التي لامست فيها القلادة الحجر، حدث شيء مذهل. بدأت النقوش تتوهج، وانفتحت البوابة ببطء، محدثة صوتاً عميقاً، وكأنه تنهيدة من الأرض.
"يا إلهي… لقد نجحت!"
دخل أحمد القلعة، ليجد نفسه في ممرات مظلمة، تشبه تلك التي رآها في الجبل الشرقي. لكن هذه الممرات كانت تبدو أكثر تعقيداً، وأكثر خطورة.
"جابر! جابر!" نادى بصوت خافت.
سمع صوتاً ضعيفاً من بعيد. "أحمد؟ هل أنت هنا؟"
"نعم يا جابر! أنا قادم!"
واصل أحمد التقدم، متبعاً صوت صديقه. كان الرجال الذين أسروا جابر قد اختفوا في أعماق القلعة. بدا وكأنهم يبحثون عن شيء ما.
"ربما يريدون مني أن أرشدهم إلى 'الشمس المخفية'. لكنهم لا يعرفون أنها معرفة، وليست مكاناً."
وصل أحمد إلى غرفة واسعة، مليئة بالأدوات الغريبة، تشبه تلك التي رآها في القاعة الرئيسية. في وسط الغرفة، كان جابر مقيداً إلى كرسي. حوله، كان يقف رجل ذو مظهر مخيف، يرتدي ملابس داكنة، ويبدو وكأنه زعيم هؤلاء الرجال.
"أنت!" قال الرجل المخيف لأحمد. "لقد أرسلتك إلى الصحراء لتضيع، لكنك عدت!"
"أين جابر؟" سأل أحمد، وهو يحاول إخفاء خوفه.
"صديقك؟ لقد كان مفيداً. لقد أخبرنا بالكثير عن 'الشمس المخفية'. لكنه لم يخبرنا بكل شيء. أنت، يا فتى، لديك المفتاح الحقيقي."
"لا أعرف ما تتحدث عنه،" قال أحمد، وعقله يعمل بسرعة.
"لا تكذب! رأينا القلادة التي ترتديها. إنها 'مفتاح الشمس'. وهي تتفاعل مع 'قلب الأرض'. ونحن نعتقد أن 'قلب الأرض' هو مدخل 'الشمس المخفية' الحقيقي."
"أنتم مخطئون،" قال أحمد. "قلب الأرض ليس مدخلاً. إنه مصدر للمعرفة."
ضحك الرجل المخيف بصوت عالٍ. "معرفة؟ نحن نريد قوة! قوة تجعلنا نحكم هذه الأرض، ونجعل الصحراء تزدهر تحت سيطرتنا، ليس تحت رحمة الرياح والرمال."
"هذا ليس ما يريده أجدادي،" قال أحمد بشجاعة. "لقد أرادوا الانسجام، لا السيطرة."
"سوف نجبرك على إرشادنا،" قال الرجل المخيف، مشيراً إلى جابر. "إذا لم تتعاون، فسوف نؤذي صديقك."
شعر أحمد باليأس يتسلل إليه. لقد وقع في الفخ. لكنه لم يستسلم. نظر إلى جابر، ورأى في عينيه أملاً.
"كيف يمكنني أن أساعدكم؟" قال أحمد بصوت خافت، وكأنه يوافق على التعاون. "لكن يجب أن تتحرروا من أي قيود."
"جيد!" قال الرجل المخيف، مبتسماً. "أحرروا الفتى."
حاول أحمد أن يستغل هذه اللحظة. بينما كان الرجال يحررون جابر، نظر حوله، باحثاً عن أي شيء يمكن أن يساعده. رأى بعض الأدوات الغريبة على الطاولات.
"هل يمكنني رؤية تلك الأداة؟" سأل أحمد، مشيراً إلى أداة معدنية غريبة تبدو وكأنها قادرة على إصدار طاقة.
"ربما،" قال الرجل المخيف، وهو لا يزال يحذر. "لكن لا تحاول أي شيء غبي."
أخذ أحمد الأداة، وشعر بأنها تنبض بالطاقة. كانت تشبه "مفتاح الشمس" في قدرتها على التفاعل مع الطاقة.
"انظروا،" قال أحمد. "هذه الأداة يمكنها أن تساعدنا في العثور على 'قلب الأرض'. لكن يجب أن نكون في مكان مناسب."
"وأين هو هذا المكان؟" سأل الرجل المخيف بلهفة.
"في قلب القلعة. هناك غرفة خاصة، تتشكل فيها الطاقة بشكل طبيعي. لكن يجب أن أكون وحدي لتفعيلها."
"مستحيل!" قال الرجل المخيف. "لن نسمح لك بالذهاب وحدك."
"إذاً، لن أستطيع مساعدتكم،" قال أحمد، وهو يتظاهر بالإحباط. "أنتم لن تحصلوا على 'قلب الأرض' أبداً."
"انتظر!" قال الرجل المخيف. "سنسمح لك بالذهاب، ولكن مع بعض رجالنا. وسيكون صديقك رهينة لدينا."
شعر أحمد بالخوف، ولكنه عرف أن هذه هي فرصته الوحيدة. "حسناً،" وافق. "لكن يجب أن نكون سريعين. الطاقة في القلعة لا تدوم طويلاً."
بدأ أحمد يقود الرجال، ومعه جابر، الذي كان يسير ببطء، ولكنه كان ينظر إلى أحمد بعينيه، وكأنه يرسل له رسالة. "لا تخف، أنا معك."
كانت مطاردة الظلال قد بدأت، وكان على أحمد أن يستخدم كل ذكائه وحكمته للبقاء على قيد الحياة، وإنقاذ صديقه، وحماية 'الشمس المخفية' من أيدي الطامعين.