سيف القسطنطينية المفقود
الفصل 12 — خريطة النجوم وقصة الصائغ
بقلم يوسف الأمين
الفصل 12 — خريطة النجوم وقصة الصائغ
في صباح اليوم التالي، استيقظت القسطنطينية على نسيم عليل يحمل معه عبق الياسمين ورائحة البحر. كانت الشمس قد بدأت ترتفع، وتلقي بظلال طويلة على شوارع المدينة. في دكان "إيليا" لصياغة الذهب، كان الصائغ العجوز قد استيقظ قبل شروق الشمس، يتأمل في صينية فضية مصقولة، وعيناه تعكسان حكمة سنين طويلة.
كان "إيليا" رجلًا ذا ماضٍ غني بالأحداث. لم يكن مجرد صائغ ماهر، بل كان أيضًا حارسًا لأسرار قديمة، وشاهدًا على تحولات عظيمة مرت بها هذه المدينة. كان يعلم أن "أحمد" قادم اليوم، ويحمل معه شيئًا ذا أهمية قصوى.
وصل "أحمد" إلى الدكان بعد صلاة الظهر، حاملًا صندوقًا خشبيًا صغيرًا. ابتسم "إيليا" له، ودعاه للجلوس. "تفضل يا بني. يبدو أنك تحمل شيئًا ذا قيمة."
وضع أحمد الصندوق أمامه، وفتحه ببطء. انبعث بريق خافت من داخله، أضاء وجهيهما. كان "سيف القسطنطينية المفقود"، يلمع تحت ضوء الشمعة الخافتة في الدكان. لم يكن مجرد سيف، بل كان قطعة فنية، منحوتة بدقة متناهية، وعليها نقوش غريبة بدت وكأنها تتراقص.
أخذ إيليا السيف بين يديه الخبيرتين، وقلّبه بعناية. عيناه تدور حول النقوش، تتأملها بتفحص شديد. "آه... يا لها من تحفة! هذه النقوش... ليست مجرد زخارف. هذه رموز نجمية."
"نجوم؟" سأل أحمد بدهشة.
"نعم يا بني. هذه خريطة للنجوم، ولكنها ليست خريطة عادية. إنها خريطة للسماء في ليلة معينة، ليلة ذات أهمية قصوى." قال إيليا، وصوته يرتعش قليلًا من التأثر.
"ولكن كيف عرفت ذلك؟"
"أنا أعمل مع الذهب والمعادن منذ عقود، ورأيت الكثير من الأشياء. ولكن هذه الرموز... تشبه إلى حد كبير ما وجدته في مخطوطات قديمة ورثتها عن أبي، وهي تتحدث عن سيف أسطوري، ونجوم تدل على مكان دفين."
شعر أحمد بتيار كهربائي يسري في عروقه. "مكان دفين؟ هل تقصد كنوزًا؟"
ضحك إيليا ضحكة خفيفة. "قد يكون كنوزًا، وقد يكون شيئًا أثمن من الذهب والفضة. قد يكون حقيقة تاريخية، أو مفتاحًا لفهم ماضينا." ثم أشار إلى نقش معين على السيف. "انظر إلى هذا الرمز. هذا يمثل نجم الشمال، وهذا يمثل كوكبة معينة. وجميع هذه النقوش، إذا تم ربطها ببعضها البعض، تشكل شبكة عنقودية، تدل على اتجاه معين."
أخذ أحمد ينظر بتمعن إلى النقوش، محاولًا فهم ما يقوله إيليا. "وهل يمكنك تحديد المكان؟"
"ليس بهذه السهولة يا بني. هذه الخريطة النجمية تتغير مع مرور الزمن. نحتاج إلى معرفة السنة التي نُقشت فيها هذه الرموز، ومن ثم يمكننا إعادة بناء السماء كما كانت في تلك الليلة. ولكن لدي فكرة."
"ما هي؟" سأل أحمد بفارغ الصبر.
"هناك كنز آخر، ليس من الذهب، بل من المعرفة. في مكتبة المدينة القديمة، توجد مخطوطات نادرة، قد تحتوي على مفاتيح لفهم هذه الرموز. ولكن الوصول إليها ليس سهلًا."
"أنا مستعد لفعل أي شيء، يا سيدي. فقط أخبرني ماذا أفعل." قال أحمد، وعيناه تشتعلان بالإصرار.
"يجب أن نذهب إلى مكتبة المدينة. وهناك، قد نجد ما يساعدنا على تحديد تاريخ النقش، ومن ثم تحديد الموقع الذي تشير إليه النجوم."
"ولماذا تخبرني بهذا؟ أنت لا تملك شيئًا تدين به لي."
ابتسم إيليا ابتسامة غامضة. "قد لا تعرف، يا بني، ولكنني أرى في عينيك شرارة الشجاعة والصدق. وأرى أنك تحمل مسؤولية ثقيلة. ولأن هذه المدينة هي موطننا، وأسرارها هي أسرارنا، فمن واجبي أن أساعد في كشفها." ثم أضاف، بنبرة أكثر جدية: "هناك قوى أخرى تبحث عن هذا السيف، قوى لا تريد الخير لهذه المدينة. ويجب أن نكون أسرع منهم."
شعر أحمد بجدية الموقف. لقد كان الأمر أكبر مما توقع. "من هي هذه القوى؟"
"الزمن وحده يكشف الأقنعة يا بني. ولكن يكفي أن تعلم أننا لسنا وحدنا في هذا السباق. الآن، دعنا نجهز لزيارة المكتبة. ولكن قبل ذلك، هل لديك أي فكرة عن المكان الذي وجدت فيه السيف؟"
فكر أحمد مليًا. كان المكان الذي وجد فيه السيف عبارة عن كهف قديم مخبأ خلف شلال صغير في أطراف المدينة. لم يكن يتوقع أن يكون له أي ارتباط بتاريخ المدينة القديم. "وجدتُه في مكان منعزل، يا سيدي. كهف قديم..."
"الكهوف القديمة غالبًا ما تكون ملاذات للأسرار." قال إيليا، وهو يعيد السيف إلى الصندوق بحذر. "جهز نفسك يا أحمد. غدًا، سنبدأ رحلتنا لكشف لغز سيف القسطنطينية."
في هذه الأثناء، كانت "ليلى" تتجول في أزقة المدينة، وقلبها يخفق بانتظار خبر من أحمد. لقد مر يوم كامل منذ لقائهما الأخير، وكانت تراوده رغبة قوية في رؤيته. فكرت في الذهاب إلى سوق الذهب، ولكنها خشيت أن تزعجه.
مرت بمتجر "إيليا" لصياغة الذهب، ورأت أحمد يخرج منه، يبدو عليه الارتباك والتركيز. شعرت بفضول شديد، ولكنها لم تجرؤ على الاقتراب. هل كان أحمد قد وجد ما كان يبحث عنه؟ هل كان "إيليا" قد ساعده؟
عندما رأت ليلى أحمد، لم تستطع تمالك نفسها. تقدمت نحوه بخطوات مسرعة، وقلبها يخفق بقوة. "أحمد!" نادت بصوت خافت، ولكن أحمد سمعها.
توقف أحمد، والتفت إليها. رأى وجهها المشرق، وعينيها اللتين تحملان مزيجًا من القلق والشوق. ابتسم لها ابتسامة خفيفة، ولكنها كانت ابتسامة متعبة.
"ليلى! ما الذي تفعلينه هنا؟" سأل أحمد، وهو يحاول إخفاء قلقه.
"كنت... كنت أتسوق. ورأيتك تخرج من هنا. هل كل شيء على ما يرام؟" قالت ليلى، وعيناها تفحصان وجهه.
"كل شيء على ما يرام، الحمد لله. لقد كنت أتحدث مع السيد إيليا عن بعض الأمور."
"السيد إيليا؟ صائغ الذهب؟"
"نعم. إنه رجل حكيم جدًا، ولديه معرفة واسعة بالأشياء القديمة."
شعرت ليلى بأن هناك شيئًا يخفيه أحمد، ولكنها لم تضغط عليه. "متى سنلتقي مرة أخرى؟" سألت، بلهفة واضحة.
"سأكون مشغولًا قليلًا في الأيام القادمة. ولكن سأحرص على إخبارك عندما يتيسر الأمر." قال أحمد، بنبرة اعتذار.
شعرت ليلى بخيبة أمل طفيفة، ولكنها تفهمت. "حسنًا. سأكون في انتظارك."
تبادلا نظرة طويلة، نظرة تحمل الكثير من المعاني غير المنطوقة. ثم انصرف أحمد، تاركًا ليلى واقفة في مكانها، تتأمل في وجهه المتعب، وتتساءل عن الأسرار التي يحملها. لقد أدركت ليلى أن أحمد ليس مجرد صديق، بل هو رجل تحبه، وأنها مستعدة لمساعدته في أي شيء، حتى لو لم تفهم طبيعة ما يقوم به.