سيف القسطنطينية المفقود
الفصل 17 — أسرار البوسفور القديمة
بقلم يوسف الأمين
الفصل 17 — أسرار البوسفور القديمة
مع بزوغ شمس اليوم التالي، انطلقت مركبة صغيرة، اعتادت أن تجوب مياه البوسفور الزرقاء، حاملةً على متنها أحمد وسارة والعميد عبد الله. كانت المياه هادئة، تعكس زرقة السماء الصافية، بينما كانت النسائم الباردة تنعش الوجوه، حاملةً معها همسات التاريخ التي لا تهدأ في هذه المدينة الساحرة. كان المشهد مهيباً، فالضفتان تتنازعان على إبهار الناظر، بين القصور العثمانية الفخمة، وآثار الحصون البيزنطية القديمة، وكأنها شهود صامتون على عصور مرت، وحضارات تعاقبت.
"يا جدي،" قالت سارة، وهي تشير بيدها نحو برج قديم يلوح في الأفق. "هل هذا هو البرج الذي تحدثت عنه المخطوطات؟ البرج الذي كان يستخدم كنقطة مراقبة، ويرتبط بالطقوس السماوية؟"
نظر العميد عبد الله نحو البرج، ثم أعاد بصره إلى خريطة قديمة كان يمسك بها. "نعم يا ابنتي، هذا هو. لقد وصفه المؤرخون القدماء بدقة، وكأنهم أرادوا أن يتركوا لنا دليلاً. والمخطوطات تحدثت عن أن هذا البرج كان يمثل نقطة التقاء بين الأرض والسماء، وأنه كان مركزاً لبعض المراسم الخاصة التي كانت تقام عند حدوث ظواهر فلكية معينة."
كان أحمد يراقب المياه حول البرج، وعيناه تبحثان عن أي علامة غريبة، عن أي شيء يختلف عن طبيعة المكان المعتادة. "المكان الذي حددناه على الخريطة، بالقرب من هذا البرج، يبدو مكاناً هادئاً، بعيداً عن صخب المدينة. وكأن الطبيعة نفسها اختارته ليكون مخفياً."
"الهدوء غالباً ما يكون غطاءً للأسرار، يا بني،" رد العميد عبد الله. "لقد وجدت في إحدى المخطوطات إشارة إلى أن المدخل كان مخفياً عن الأنظار، وأن الوصول إليه كان يتطلب معرفة خاصة، ومعرفة بوقت معين. وقت لا يستطيع أن يعرفه إلا من درس حركة النجوم والكواكب."
"هذا يفسر لماذا كانت خريطة النجوم مهمة جداً،" قالت سارة، وهي تخرج من حقيبتها نسخة من الخريطة. "لقد قضيت الليلة الماضية أبحث عن أي علاقة بين هذه الخريطة والمواقع الجغرافية حول هذا البرج. ولاحظت أن بعض النجوم، في مواقعها الدقيقة على الخريطة، تتوافق مع مواقع بعض المعالم الطبيعية والصناعية القديمة حول البرج."
"رائع يا سارة! هذا تقدم كبير،" قال أحمد، وقد امتلأت نبرته بالإعجاب. "إذن، الخريطة ليست مجرد رسم للنجوم، بل هي خارطة جغرافية مخفية، تستخدم النجوم كعلامات."
"بالضبط،" أكدت سارة. "والأكثر إثارة للاهتمام هو أن المخطوطات ذكرت طقساً كان يقام عند اكتمال القمر، عندما يكون القمر في أقصى ارتفاع له في السماء، وأن هذا الطقس كان يتضمن إضاءة معينة، تستطيع كشف ما هو مخفي."
"اكتمال القمر..." تمتم العميد عبد الله، وهو يتأمل السماء. "وهذا يحدث بعد يومين. إذن، أمامنا فرصة ضئيلة، لكنها فرصة ثمينة. علينا أن نستغلها."
"لكن كيف سنعرف المكان بالتحديد؟" سأل أحمد. "هناك الكثير من الصخور والكهوف حول البرج. هل هناك علامة معينة نبحث عنها؟"
"ذكرت إحدى المخطوطات،" قال العميد عبد الله، وهو يقلب صفحات كتاب قديم، "أن هناك نقشاً صغيراً، يكاد يكون غير مرئي، على صخرة معينة. نقش يمثل هلالاً متزايداً، وعلامة تشبه حرفاً قديماً."
"هلال متزايد وحرف قديم..." رددت سارة، وقد لمعت عيناها. "هذا يتوافق مع الرمز الذي وجدناه في غرفة الصائغ، الرمز الذي كان يمثل بداية دورة جديدة، وبداية اكتشاف."
"إذن، مهمتنا واضحة،" قال أحمد. "علينا أن نصل إلى هذا المكان، وأن نبحث عن هذه الصخرة. وأن نستعد لليوم الذي سيحدث فيه اكتمال القمر."
"لكن تذكروا،" قال العميد عبد الله، بصوت جاد، "هذا المكان قد يكون خطيراً. القوة التي قد تكون مخفية هنا، يجب التعامل معها بحذر واحترام. فالأسرار العظيمة تأتي مع مسؤوليات كبيرة."
"نحن نفهم ذلك يا جدي،" قالت سارة. "لقد رأينا كيف أن سيف القسطنطينية لم يكن مجرد سيف، بل كان رمزاً لقوة وحكمة. وهذه القوة، إذا استخدمت في الشر، يمكن أن تكون مدمرة."
"والهدف من بحثنا،" أضاف أحمد، "هو استعادة هذه القوة، وليس تدميرها. نريد أن نفهم تاريخنا، وأن نستلهم منه. وأن نحمي ما هو ثمين، وأن نحذر من الأخطار التي تهدده."
"أتمنى لكم كل التوفيق،" قال العميد عبد الله، وهو ينظر إلى وجوههم الشابة المليئة بالحماس والأمل. "لقد أثبتّم لي أنكم أهل لهذه المهمة. تذكروا دائماً أن الحكمة هي مفتاح القوة، وأن الصدق والشجاعة هما درعكم. وأن الوحدة هي أصل كل انتصار."
عادت المركبة إلى الشاطئ، تاركةً وراءها البرج العتيق، والمياه الهادئة، والأسرار التي تكتنف المكان. كان الهواء لا يزال يحمل عبق التاريخ، والنجوم بدأت تظهر في السماء، كنقاط مضيئة تعد بليلة قمر مكتمل، وليلة قد تكشف عن مدخل إلى عالم منسِي. كانت الرحلة قد بدأت تتجسد، خطوة بخطوة، نحو تحقيق الهدف، نحو كشف اللغز الأعظم.