سيف القسطنطينية المفقود
الفصل 18 — ليلة القمر ونداء الأجداد
بقلم يوسف الأمين
الفصل 18 — ليلة القمر ونداء الأجداد
كانت ليلة اكتمال القمر، وقد علت في كبد السماء، تنشر نورها الفضي الساحر على مدينة إسطنبول، وكأنها تبارك كل حجر فيها، وكل قصة. تجمع أحمد وسارة والعميد عبد الله بالقرب من البرج القديم، على ضفاف البوسفور، حيث تتلاطم الأمواج بلطف على الشاطئ، وكأنها تعزف لحناً قديماً. كانت الأنوار الخافتة للمدينة ترسم لوحة رائعة على صفحة الماء، لكن التركيز كله كان منصباً على السماء، وعلى القمر المكتمل الذي بدا وكأنه يراقبهم بعين حنونة.
"هل هو هنا؟" سأل أحمد، وعيناه تتفحصان الصخور المتناثرة حول البرج. "هل وجدنا العلامة؟"
"لقد بحثنا طويلاً،" قالت سارة، وقد بدأت تشعر بالإرهاق، ولكن تصميمها لم يخفت. "رأينا الكثير من النقوش، ولكن لا شيء يشبه ما وصفته المخطوطات."
تنهد العميد عبد الله، وهو يمسك بيد سارة. "الصبر مفتاح الفرج يا ابنتي. ربما تكون العلامة مخفية بشكل أفضل مما نتوقع. أو ربما نحتاج إلى شيء آخر لرؤيتها."
في تلك اللحظة، وبينما كانوا يقفون بصمت، متأملين الصخور، بدأت نسمة هواء باردة تهب، تحمل معها رائحة غريبة، رائحة لم تعهدها حواسهم من قبل. كانت رائحة تشبه رائحة البخور القديم، ورائحة التراب الرطب، ورائحة شيء أقدم من كل ذلك، شيء روحاني.
"ما هذه الرائحة؟" سأل أحمد، وقد استنشقها بعمق.
"لا أعرف،" أجاب العميد عبد الله، وقد علت الدهشة وجهه. "لكنها تبدو مألوفة بطريقة غريبة. وكأنها تناديني من بعيد."
وبينما كانوا ينظرون حولهم، لاحظ أحمد أن نور القمر، عندما يسقط بزاوية معينة على إحدى الصخور الكبيرة، يلقي ظلاً غريباً. ظل لم يكن موجوداً في السابق. ظل يشبه شكل قوس، وفي وسطه، كان هناك نقش صغير، بالكاد يمكن رؤيته.
"انظروا!" صاح أحمد، وأشار بإصبعه. "هناك! على تلك الصخرة!"
اقتربوا جميعاً، ووقفوا أمام الصخرة. كان نور القمر قد كشف النقش الذي كانوا يبحثون عنه. كان هلالاً متزايداً، وبجانبه، كان هناك حرف قديم، يشبه حرف "ثيتا" اليوناني.
"وجدناها!" صاحت سارة، وعيناها تلمعان ببريق الانتصار. "الهلال المتزايد، والحرف القديم! هذا هو! هذا هو المدخل!"
"ولكن أين المدخل نفسه؟" سأل أحمد. "لا يوجد باب، لا يوجد فتحة."
"ربما،" قال العميد عبد الله، وهو يتذكر ما قرأه في المخطوطات، "ربما المدخل ليس مادة. ربما هو طاقة. أو ربما يتطلب منا أن نقوم بشيء معين، كاستجابة لنداء الأجداد."
"نداء الأجداد؟" سأل أحمد.
"نعم،" قال العميد عبد الله. "لقد ذكرت المخطوطات أنهم كانوا يؤمنون بأن الأجداد يحمون هذه الأسرار، وأنهم يفتحون الباب فقط لمن يستحق، ولمن يحمل في قلبه احتراماً لتاريخهم. وربما، هذه الرائحة الغريبة، وهذا الظل الذي كشفه القمر، هو استجابة لشيء فينا، لشيء في بحثنا."
"إذن، علينا أن نكرر ما فعلناه،" قالت سارة. "علينا أن نربط بين خريطة النجوم، وبين هذا المكان. وأن نستخدم معرفتنا بهذه الرموز."
بدأت سارة تضع خريطة النجوم على الأرض، بجوار الصخرة. وحاول أحمد أن يضع نفسه في موقع يتوافق مع موقع نجم معين على الخريطة، بينما وقف العميد عبد الله بصمت، متأملاً.
وفجأة، حدث شيء مذهل. عندما وضع أحمد يده على النقش، وشعر ببرودة غريبة تسري في جسده، بدأت الصخرة تهتز بلطف. ولم يكن اهتزازاً ميكانيكياً، بل كان اهتزازاً طاقياً، وكأنها تستجيب لقوة خفية.
"إنها تستجيب!" صاحت سارة، بفرحة لا توصف.
"أكمل يا أحمد!" شجعه العميد عبد الله. "أكمل ما بدأته. تخيل أنك تستدعي الأجداد، تستدعي روح القسطنطينية!"
أغمض أحمد عينيه، وتخيل نفسه واقفاً في قاعة عظيمة، تحيط به أصداء التاريخ. تخيل سيف القسطنطينية، يتلألأ أمامه، كمنارة أمل. وتخيل أجداده، يقفون خلفه، يدعمونه.
وبينما هو يفعل ذلك، سمعوا صوتاً خافتاً، كالهمس، وكأنها أصوات تتحدث بلغة قديمة، لغة الزمن. ثم، بدأت الصخرة تتلاشى ببطء، لتكشف عن فتحة مظلمة، تؤدي إلى أسفل.
"يا إلهي!" قالت سارة، وقد انحبس أنفاسها. "إنه المدخل!"
"لقد فتحوه لنا،" قال العميد عبد الله، بصوت يمتزج بالرهبة والإعجاب. "لقد أثبتنا لهم أننا نستحق. أننا نحمل في قلوبنا حب تاريخنا، ورغبة في استعادة مجده."
نظروا إلى بعضهم البعض، بعيون تفيض بمزيج من الخوف والإثارة. لقد وصلوا إلى ما كانوا يسعون إليه. لقد وجدوا المدخل إلى عالم منسِي. لكن ما الذي ينتظرهم في الداخل؟ ما هي الأسرار التي ستكشف لهم؟ وما هي التحديات التي ستواجههم؟
"هل نحن مستعدون؟" سأل أحمد، وقد بدأت نبضات قلبه تتسارع.
"نحن مستعدون،" أجابت سارة، وقد أمسكت بيده بقوة. "سنواجه ما سيأتي، معاً."
"تذكروا،" قال العميد عبد الله، بنبرة تحذيرية. "ما تجدونه في الداخل، قد يكون قوياً جداً. استخدموا حكمتكم، واحذروا الغرور. فالقوة الحقيقية تكمن في السيطرة على النفس، وليس في السيطرة على الآخرين."
وبينما كان القمر يواصل إلقاء نوره الفضي، دخل أحمد وسارة إلى الفتحة المظلمة، تاركين وراءهما العميد عبد الله، واقفاً على ضفاف البوسفور، ينظر إلى السماء، وكأنه يرسل دعاءً لهم. كانت رحلة البحث عن سيف القسطنطينية المفقود قد دخلت مرحلتها الأعمق، مرحلة كشف الأسرار، ومواجهة المجهول.