سيف القسطنطينية المفقود
الفصل 5 — على أعتاب الباب الشرقي
بقلم يوسف الأمين
الفصل 5 — على أعتاب الباب الشرقي
في ذلك اليوم، وتحت شمس دمشق اللاهبة، سار أحمد والسيد يوسف بخطىً متسارعةٍ نحو الباب الشرقي. كانا يشعران بتلك الإثارة التي تسبق لحظة الاكتشاف، ممزوجةً ببعض القلق. الباب الشرقي، أحد أبواب دمشق القديمة الشهيرة، كان شاهداً على عصورٍ عديدة، وربما كان يحمل في طياته أسراراً لم تُكشف بعد.
عند وصولهما إلى الباب، تفحصا نقوشه القديمة، التي كانت تروي قصصاً منسية. نظر أحمد إلى القطع الثلاث التي يحملها، وبدأ يقارن النقوش الموجودة عليها ببعض النقوش الباهتة على جدران الباب.
"هذا الرمز..." قال أحمد وهو يشير إلى نقشٍ على القطعة، "يشبه إلى حدٍ كبيرٍ الرمز الموجود على حجرٍ فوق الباب مباشرةً. وكأنها إشارةٌ إلى هذا المكان."
"والقطعة التي تحمل نقش "مفتاح الشمس"،" أضاف السيد يوسف، "تبدو وكأنها يجب أن توضع في مكانٍ معين بالقرب من الباب. ولكن أين؟"
أمضوا وقتاً طويلاً في البحث الدقيق حول الباب الشرقي، وفي الشوارع المتفرعة منه. كانوا يبحثون عن أي شيءٍ غير عادي، عن أي علامةٍ قد تدل على مكانٍ مخبأ. بدأ الناس يلتفتون إليهما، وهما يبحثان بتفانٍ في كل زاويةٍ وحجر.
"هل تتذكر يا سيد يوسف أي قصصٍ قديمةٍ تتعلق بهذا الباب؟" سأل أحمد.
"سمعت من جدي"، أجاب السيد يوسف، "أن هناك سراديبَ قديمةً تحت بعض المباني المجاورة للسوق، كانت تستخدم في أوقات الحروب للحماية. وبعض هذه السراديب كانت مرتبطةٌ ببعض الأبواب القديمة."
"سراديب؟" قال أحمد. "ولكن كيف نجد مدخلها؟"
في تلك اللحظة، لفت انتباه أحمد شيءٌ غريب. في زاويةٍ قريبةٍ من الباب، كان هناك عمودٌ حجريٌ قديم، يبدو أنه جزءٌ من بقايا بناءٍ أقدم. كان العمود مغطىً بنقوشٍ باهتة، ولكن إحداها كانت واضحةً بشكلٍ غريب. كانت تشبه رمز "نجمة الليل" الموجود على الوثيقة.
"هذا هو!" صاح أحمد. "هذا هو المكان! "نجمة الليل" تدلنا على المدخل!"
اقترب أحمد من العمود، وفحصه بدقة. وجد أن هناك حجرًا في قاعدة العمود يمكن دفعه. بمساعدة السيد يوسف، تمكنا من دفع الحجر، فانكشف مدخلٌ مظلم، يؤدي إلى درجاتٍ حجريةٍ تنزل إلى الأسفل.
"هذه هي السراديب التي تحدث عنها جدي"، قال السيد يوسف بذهول. "لم أكن أتوقع أن تكون حقيقية."
"علينا أن ننزل ونرى ما بالداخل"، قال أحمد بحزم. "ولكن يجب أن نكون حذرين. ربما يكون المكان غير آمن."
نزل أحمد والسيد يوسف إلى السرداب. كان الهواء فيه بارداً ورطباً، وكانت الظلمة تكتنف المكان. استخدم أحمد مصباحاً صغيراً كان معه، ليضيء الطريق. كانت الدرجات الحجرية متآكلة، والجدران تبدو قديمةً جداً.
بعد نزولٍ طويل، وصلوا إلى قاعةٍ صغيرةٍ تحت الأرض. كانت القاعة ذات جدرانٍ حجريةٍ صماء، وفي وسطها، كان هناك مذبحٌ حجريٌ بسيط. وعلى المذبح، لم يجدوا سيفاً كاملاً، بل وجدوا صندوقاً خشبياً آخر، يبدو أنه أقدم من الصناديق التي وجدوها سابقاً.
"هذا هو الصندوق الأخير؟" تساءل السيد يوسف.
"ربما"، قال أحمد. "ولكنه يبدو أقدم بكثير. النقوش عليه مختلفة."
فحص أحمد الصندوق. لم يكن عليه قفلٌ واضح، بل كان عليه نقشٌ معقد، يشبه ترتيب النجوم في السماء.
"أتذكر"، قال السيد يوسف، "أن جدي كان يتحدث عن "خريطة السماء" التي استخدمها الأجداد لتحديد الأماكن الهامة. ربما يكون هذا الصندوق مرتبطاً بها."
أخذ أحمد القطع الثلاث التي جمعها، وحاول أن يضعها في أماكنٍ معينة على نقوش الصندوق، محاكياً ترتيب النجوم. وبعد عدة محاولات، حدث شيءٌ مدهش. عندما وضعت القطع في أماكنها الصحيحة، انفتح الصندوق بهدوء.
داخل الصندوق، لم يكن هناك سيفٌ مكتمل، ولكن كان هناك شيءٌ أكثر إثارةً للدهشة. كانت هناك قطعةٌ كبيرةٌ من المعدن، تشبه النصل، عليها نقوشٌ رائعةٌ جداً، وكلماتٌ عربيةٌ مباركة. كانت تبدو كأنها القطعة الأكبر والأهم من السيف. وبجوارها، كانت هناك لفافةٌ أخرى، تبدو كأنها وثيقةٌ نهائية.
"هذا هو النصل!" صاح أحمد. "هذا هو الجزء الأكبر من السيف!"
"واللفافة..." قال السيد يوسف، وأخذها بحذر. "ربما تكون هي الوثيقة التي تكشف الحقيقة كاملة."
فتح السيد يوسف اللفافة، وبدأ يقرأها بصوتٍ خافت:
"الحمد لله رب العالمين. لقد وصلت أخيراً إلى نهاية رحلتك. إن هذا السيف، سيف القسطنطينية، لم يكن مجرد سلاح، بل كان رمزاً لوحدتنا، وقوتنا، وإيماننا. لقد تم تقسيمه وإخفاؤه عبر الأجيال، لضمان عدم ضياعه، ولتكون مهمة جمعه اختباراً لأبناء الأمة. النصل الذي أمامك، هو الجزء الأكبر، ولكنه يحتاج إلى "القبضة" ليكتمل. أما "القبضة"، فهي ليست مجرد قطعةٍ معدنية، بل هي رمزٌ لـ"الروح" التي تكمن في السيف. روح الإيمان، والوحدة، والشجاعة. لقد أودعناها لدى أناسٍ مؤتمنين، في مكانٍ بعيدٍ عن هنا، ولكنهم سينتظرون الوقت المناسب لتسليمها. استمر في البحث، واجمع شمل الأمانة. فإن الوحدة هي مفتاح النصر، كما كانت مفتاح فتح القسطنطينية. لا تيأس، فكل قطعةٍ وجدتها، وكل جهدٍ بذلته، هو خطوةٌ نحو استعادة مجدٍ عظيم."
شعر أحمد والسيد يوسف بالذهول. لقد وجدوا الجزء الأكبر من السيف، ولكنه لم يكن مكتملاً. كان هناك جزءٌ مفقود، "القبضة"، التي تحمل "الروح".
"إذن، رحلتنا لم تنتهِ بعد"، قال أحمد. "علينا أن نجد "القبضة" أيضاً."
"ولكن أين هو هذا المكان البعيد؟" تساءل السيد يوسف. "وكيف نعرف من هم هؤلاء الأمناء؟"
"الوثيقة لم تذكر تفاصيل،" قال أحمد. "ولكنها أكدت أنهم سينتظرون الوقت المناسب. ربما نحتاج إلى مزيدٍ من البحث، ربما نحتاج إلى العودة إلى جدي، وإلى الحاج محمود. ربما لديهم معلوماتٌ أخرى."
عندما عاد أحمد والسيد يوسف من السرداب، كانا يحملان نصل سيف القسطنطينية، ووثيقةً جديدة، وأملاً متجدداً، ولكن أيضاً شعوراً بأن المهمة أكبر وأكثر تعقيداً مما توقعوا. لقد وجدوا جزءاً عظيماً من الأمانة، ولكن الطريق إلى استعادتها كاملةً، لا يزال طويلاً ومليئاً بالأسرار.