أشباح بيت العائلة

همسات الماضي في أروقة الحنين

بقلم سامر الخفي

كانت ليلى تقف في بهو قصر العائلة المهيب، تستشعر ثقل التاريخ الذي يلف المكان. كل حجر، كل نقش، كل قطعة أثاث قديم، بدا وكأنه يحمل قصة، ذكريات لأجيال مرت وتركت بصماتها. الغبار المتراكم على التحف الفنية، وتلك الستائر المخملية الباهتة، كل شيء بدا وكأنه يصرخ باسم الزمن، عن أيام مضت لم تعد إلا في الذاكرة. الهواء كان يحمل رائحة غريبة، مزيج من بخور قديم وعطر باهت، خليط أعاد إلى ذهنها تلك الوجوه التي لم ترها إلا في صور عائلية قديمة، وجوه جداتها وجداتها، أمهاتها وآبائها، وكأنهم يراقبونها من خلف ستار غير مرئي. كانت قد عادت إلى هذا البيت بعد سنوات طويلة من الغياب، بعد أن قررت جدتها العجوز، السيدة فاطمة، أن تستدعيها لتقضي معها بعض الوقت، وتشاركها في ترتيب أوراق العائلة القديمة، وربما، كما كانت تلمح لها في مكالماتهما الهاتفية، لتعرفها على أسرار لم تُكشف بعد.

تسللت ليلى إلى غرفة الجلوس الرئيسية، وهي غرفة واسعة تفوح منها رائحة الكتب القديمة والجلد. الأرائك العتيقة، والطاولات المزخرفة، والمرايا الكبيرة التي تعكس ضوء الشموع الخافت، كل ذلك خلق جوًا من الفخامة والكآبة في آن واحد. جلست على إحدى الأرائك، ولمست بنعومة قماشها المخملي البالي. تخيلت جدتها وهي تجلس هنا في شبابها، ربما مع زوجها الراحل، تتناقش في أمور العائلة، أو تقرأ رواية أمام المدفأة الصامتة. ارتفعت عيناها لترى صورة كبيرة معلقة على الحائط، صورة لجدتها وهي شابة، يافعة، تتوهج بالحياة والأمل. كان شعرها الأسود الفاحم منسدلاً على كتفيها، وعيناها واسعتان تحملان بريقًا مميزًا، يشبه بريق ليلى نفسها. شعرت ليلى برابط غامض يشدها إلى هذه الصورة، وكأنها ترى انعكاسًا لما كانت عليه جدتها، وما قد تصبح عليه هي.

تسللت إلى أذنها أصوات خافتة، همسات غير واضحة، وكأنها قادمة من بعيد. في البداية، اعتقدت أنها مجرد هلوسة، نتيجة للإرهاق والسفر، أو ربما لأصوات الرياح التي تعزف سيمفونية حزينة بين أشجار البستان القديم. لكن الهمسات استمرت، بدت أقرب، وكأنها تأتي من داخل الغرفة نفسها. كانت تشعر وكأن هناك من يتحدث إليها، أو ربما يتحدث عن شيء متعلق بها. نظرت حولها، لم تجد شيئًا. الغرفة كانت خاوية، ساكنة، إلا من تلك الهمسات التي بدأت تتردد صداها في عقلها، وفي أركان الغرفة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، مزيج من الخوف والفضول. هل هذه مجرد أوهام؟ أم أن هذا البيت حقًا يحتفظ بأسرار، ويكشف عن أشباح الماضي لمن يستمع؟

انتقلت ليلى إلى المكتبة، وهي غرفة أخرى مليئة بالكتب القديمة، والخرائط الباهتة، والصناديق الخشبية المغلقة. كانت تتساءل عن طبيعة الأوراق التي طلبت منها جدتها ترتيبها. هل هي مجرد سجلات مالية، أم وثائق قانونية، أم شيء أعمق من ذلك؟ فتحت أحد الصناديق، فوجدت بداخله مجموعة من الرسائل القديمة، بخط أنيق، وعلى ورق أصفر اللون. كانت الرسائل موجهة إلى جدتها، تحمل توقيعات غريبة، وأسماء لم تسمع بها من قبل. بدأت تقرأ إحداها، تحمل كلمات تتحدث عن حب عميق، وشوق مؤلم، ووعود باللقاء. شعرت وكأنها تقتحم حياة شخص آخر، حياة مليئة بالعواطف الجياشة. عادت الهمسات مرة أخرى، بدت أكثر وضوحًا هذه المرة، وكأنها تعبر عن أسف، أو ربما عن شوق. رفعت رأسها، وعيناها تتجهان نحو نافذة المكتبة المطلة على البستان. في الظلام، بدا لها أن هناك ظلاً يتحرك بين الأشجار، ظلاً باهتًا، شبيهًا بظلال الأشباح التي تقرأ عنها في الروايات. شعرت ببرد مفاجئ، وكأن نافذة المكتبة لم تعد تفصل بين عالم الأحياء وعالم الأموات.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%