حفلة عائلية في بيت العيلة
الفصل 13 — اعترافات وغموض
بقلم وليد المرح
الفصل 13 — اعترافات وغموض
تسلل المساء بظلاله الدافئة على بيت العيلة، وارتفعت نجوم السماء كحبات ماس متناثرة. أضاءت الأنوار الخارجية، مضيفةً سحرًا خاصًا إلى الأجواء. استمرت الحفلة في ذروتها، حيث يتنقل الضيوف بين الديوانية وحديقة المنزل، ويتبادلون الأحاديث والضحكات. كانت الحاجة فاطمة وعليتها، نساء العائلة، يواصلن تقديم أشهى المأكولات والمشروبات، بابتساماتهن الوادعة وحسن ضيافتهن.
سارة، التي شعرت ببعض الانزعاج من المواجهة بين والديها وعمها أحمد، قررت أن تأخذ قسطًا من الراحة. انسحبت بهدوء إلى أحد أركان الحديقة الهادئة، حيث تجلس شجرة قديمة، وتتدلى منها أضواء خافتة. كانت تحاول استيعاب كل ما يحدث.
"هل تبحثين عن شيء؟"
رفعت سارة رأسها لتجد خالد واقفًا بجانبها.
"لم أكن أبحث عن شيء محدد، فقط بعض الهدوء." أجابت بابتسامة مرتبكة.
"أتفهم. الجو هنا قد يكون صاخبًا بعض الشيء. هل ما زلتِ تتذكرين هذا المكان؟ كنا دائمًا نجلس هنا في طفولتنا."
"نعم، أتذكر. كم كنا نتخيل قصصًا ونحن نجلس تحت هذه الشجرة."
"بالضبط. ولهذا أردت أن أتحدث معكِ هنا. بعيدًا عن الآخرين."
جلس خالد بجانبها، وبدا وجهه أكثر جدية. "سارة، أريد أن أصارحكِ. هناك أمر يثقل كاهلي، وأعتقد أنكِ الوحيدة التي يمكنني التحدث معها بصراحة. الأمر يتعلق بوالدي."
فاجأ كلام خالد سارة. "والدك؟ هل هو بخير؟"
"والدي بخير جسديًا، لكنه... لديه مشكلة. مشكلة مالية كبيرة، وهو يخفي الأمر عن الجميع، حتى عن عمي أبو أحمد. لقد استثمر كل مدخراته في مشروع فاشل، وهو الآن مديون للكثيرين."
اتسعت عينا سارة بدهشة. "لا أصدق. والدك؟ ولكنه دائمًا ما يبدو واثقًا من نفسه."
"نعم، هذا ما كان يفعله. كان يخشى أن يعرف أحد، خاصة عمي. كان خائفًا من أن يُنظر إليه على أنه فاشل. ولكن الأمور وصلت إلى طريق مسدود. لقد تحدث إليّ والدي قبل يومين، وطلب مني المساعدة. لقد وعدته بأنني سأجد حلاً."
"ولماذا تخبرني أنا؟" سألت سارة بفضول.
"لأنني أعرف أنكِ تتمتعين بالحكمة والهدوء، وأنكِ دائمًا ما تجدين حلولاً. ولأنني... لأنني أثق بكِ. ربما يمكننا التفكير معًا في كيفية مساعدة والدي دون أن يعرف عمي أبو أحمد، على الأقل في الوقت الحالي. فقد يؤدي علمه بذلك إلى تفاقم الوضع."
نظرت سارة إلى خالد، ورأت في عينيه خليطًا من القلق والتصميم. شعرت بتعاطف كبير مع والده، ومع خالد الذي يحمل هذا العبء.
"أنا معك خالد. بالتأكيد سأساعدك. لكن كيف؟ هل تعرف تفاصيل المشكلة؟"
"أعرف بعض التفاصيل. يبدو أن الأمر يتعلق ببعض الشيكات المؤجلة، وديون لبعض المقاولين. هو يخشى أن تصل هذه الأمور إلى المحاكم، وأن تتدمر سمعته."
"هذا الوضع خطير. يجب أن نفكر بعناية. ربما يمكننا التحدث مع بعض أفراد العائلة الذين تثق بهم، ممن لديهم خبرة في الأمور المالية."
"هذا ما كنت أتمناه. لكن من؟ عمي أبو أحمد، لن يكون الحل الأمثل الآن، كما قلت. والدك محمد، قد يكون لديه بعض الأفكار، لكنه قد يخبر والده. أنا قلق جدًا."
"لا تقلق. سنتعامل مع الأمر خطوة بخطوة. أولاً، لنجلس مع والدك، ونفهم الصورة كاملة. ثم نضع خطة. يمكننا أن نبدأ ببعض الأموال التي جمعتها أنا من عملي، وبعض الأموال التي أستطيع تدبيرها. وإن كان الأمر أكبر، سنحتاج إلى مساعدة إضافية."
شعرت سارة بأنها أمام تحدٍ جديد. هذه الحفلة، لم تكن مجرد تجمع عائلي، بل كانت بداية لكشف أسرار، ومواجهة تحديات.
في هذه الأثناء، كان العم أبو أحمد يتحدث مع الحاجة فاطمة في غرفة المعيشة.
"فاطمة، أشعر بقلق على أحمد. كلماته اليوم كانت غريبة. وكأن هناك شيئًا يخفيه."
"وهل تعتقد أن أحمد بن أحمد سيأتي إلينا ليخبرنا بأموره؟ هو دائمًا ما كان يحب أن يظهر قوته، حتى لو كان في ورطة." ردت الحاجة فاطمة بحكمة.
"لكنني سمعت همسات عن مشاكل مالية تواجهه. هل تعتقدين أن هناك علاقة بين ما قاله اليوم وما سمعته؟"
"ربما. ربما لديه مشكلة، لكنه لا يريد أن يعرف أحد. دعنا نترك الأمر له. إذا أراد المساعدة، سيطلبها. والأهم الآن، هو أن نركز على لم شمل العائلة، وعلى إسعاد الجميع."
"حقًا. ربما هذا ما يحتاجه أحمد، أن يرى أن العائلة متماسكة، وأننا نقف بجانب بعضنا البعض، مهما كانت الظروف."
"هذا هو بيت العيلة يا أبو أحمد. ملجأ الجميع."
بعد فترة، وعندما هدأت الأجواء قليلاً، طلب خالد من والده أن يتحدث معه على انفراد. وجدوه واقفًا في أحد ممرات المنزل، ويبدو متوترًا.
"يا أبي، هل يمكن أن نتحدث قليلاً؟"
"تفضل يا بني. ما الأمر؟"
"أعلم أنك تمر بضائقة مالية، وأنك تخفي الأمر عن الجميع. والدتك أخبرتني. لقد وعدتها بأنني سأساعدك."
اتسعت عينا والد خالد، وبدا عليه الصدمة. "أنت تعرف؟ ومن أخبرك؟"
"والدتك. وقالت إنها لا تستطيع تحمل رؤيتك هكذا. يا أبي، لماذا لم تخبرني؟ كان بإمكاني المساعدة."
"كنت أخشى أن أثقل عليك يا بني. أنت ما زلت شابًا، وتدرس. لا أريد أن أحملك همومي."
"لكنني جزء من هذه العائلة، وأنا ابنك. همومك هي همومي. الآن، أخبرني كيف يمكننا حل هذه المشكلة؟ أنا مستعد لفعل أي شيء."
تأثر والد خالد جدًا. نظر إلى ابنه بعينين تلمعان بالدموع. "الله يرضى عليك يا بني. لقد ورطت نفسي كثيرًا. ولكن، لا تقلق. سنعمل معًا. ربما يمكننا بيع بعض المقتنيات الثمينة، أو رهن بعض الأشياء. سنحلها بإذن الله."
"لا تقلق يا أبي. سنجد حلاً. ولدينا أفكار أخرى." قال خالد وهو يفكر في حديثه مع سارة.
كانت هذه الحفلة، بداية لكشف الأسرار، وبداية لعمل جماعي بين خالد وسارة لمساعدة والده. الغموض الذي أحاط بعائلة العم أحمد، بدأ يتكشف، وبدأت القلوب تتجه نحو التكاتف.